ابن عجيبة

286

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ هذا بيان لكبرياء شأنه ، وأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده بشفاعة واستكانة ، فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة . والاستفهام إنكاري ، أي : لا أحد يشفع عنده لمن أراد تعالى عقوبته ، إلا بإذنه ، وذلك أن المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم ، فأخبر تعالى أنه لا شفاعة عنده إلا بإذنه ، يريد بذلك شفاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبعض الأنبياء والأولياء والملائكة . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي : ما قبلهم وما بعدهم ، أو بالعكس ، لأنك تستقبل المستقبل وتستدبر الماضي ؛ وقيل : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من الدنيا وَما خَلْفَهُمْ من الآخرة ، وقيل : عكسه ، لأنهم يقدمون ويخلّفون الدنيا وراءهم ، وقيل : يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر ، وما خلفهم وما هم فاعلوه ، أو عكسه . والمراد أنه سبحانه أحاط بالأشياء كلها ، فلا يخفى عليه شئ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ أي : لا يحيطون بشئ من معلوماته تعالى إلا بما شاء أن يطلعهم عليه ، وعطفه على ما قبله ؛ لأن مجموعه يدل على تفرده تعالى بالعلم الذاتي التام ، الدال على وحدانيته تعالى في ذاته وصفاته . وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يقال : فلان يسع الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به . ويقال : وسع الشيء الشيء إذا أحاط به وغمره حتى اضمحل في جانبه ، وهذا المعنى هو اللائق هنا . وأصل الكرسي في اللغة : من تركّب الشيء بعضه على بعض ، ومنه الكراسة ، لتركب أوراقها بعضها على بعض ، وفي العرف : اسم لما يقعد عليه ، سمّى به لتركب خشباته . واختلف فيه فقيل : العرش ، وقيل : غيره . والصحيح أنه مخلوق عظيم أمام العرش ، فوق السماوات السبع دون العرش . يقال : إن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة . والكرسي في جانب العرش كحلقة في فلاة . وعن ابن عباس : ( أن السماوات في الكرسي كدراهم سبعة في ترس ) وقيل : كرسيه : علمه . قال البيضاوي : هو تصوير لعظمته تعالى وتمثيل مجرد ، كقوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد « 1 » . وقيل : كرسيه مجاز عن

--> ( 1 ) هذا الذي اختاره جم من الخلف ، فرارا من توهم التجسيم ، والحق : أن الكرسي ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة . ومذهب سادتنا من السلف الصالح هو : جعل ذلك من الأمور التي لا يحيط المرء بها علما ، مع تفويض العلم فيها إلى الله تعالى ، مع اعتقاد التنزيه والتقديس له تعالى شأنه . وهذا هو الأسلم .