ابن عجيبة

271

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ومجاهدة النفس هو تحميلها ما يثقل عليها ، وبعدها مما يخف عليها ، حتى لا يثقل عليها شئ ، ولا تشره * إلى شئ ، بل يكون هواها ما يقضيه عليها مولاها . قيل لبعضهم : [ ما تشتهى ؟ قال : ما يقضى اللّه ] . واعلموا أيها السائرون أن اللّه سميع لأذكاركم ، عليم بإخلاصكم ومقاصدكم . ولما كان الجهاد يحتاج إلى مؤنة التجهيز ، وليس كل الناس يقدر على ذلك ، رغّب الحق تعالى الأقوياء بالإنفاق على الفقراء ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 245 ] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) قلت : القرض هو القطع ، أطلق على السلف ؛ لأن المقرض يقطع قطعة من ماله ويدفعها للمستلف ، والمراد بها الصدقة ؛ لأن المتصدق يدفع الصدقة فيردها الحق تعالى له بضعف أمثالها ؛ فأشبهت القرض في مطلق الرد . يقول الحق جل جلاله : من هذا الذي يعامل اللّه تعالى ويقرضه قَرْضاً حَسَناً بأن يتصدق على عباده صدقة حسنة بنية خالصة ، فيكثرها اللّه تعالى له أَضْعافاً كَثِيرَةً ؛ بسبعمائة إلى ما لا نهاية له ، ولا يحمله خوف الفقر على ترك الصدقة ؛ فإن اللّه تعالى يقبض الرزق عمن يشاء ولو قل إعطاؤه ، ويبسط الرزق على من يشاء ولو كثر إعطاؤه ، بل يقبض على من قبض يده شحا وبخلا ، ويبسط على من بسط يده عطاء وبذلا ، يقول : « يا ابن آدم أنفق أنفق عليك » ، « أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا » . ونسبة القرض إليه تعالى ترغيب وتقريب للأفهام ، كما قال في الحديث القدسي : « يقول اللّه تعالى يوم القيامة : يا ابن آدم ، مرضت فلم تعدنى ، قال : يا ربّ ! كيف أعودك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : أما علمت أنّ عبدي فلانا مرض فلم تعده . أما إنك لو عدته لوجدتنى عنده . يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى . قال : يا ربّ ! كيف أطعمك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : أما علمت أنّه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي . يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني . قال : يا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما علمت أنّك لو سقيته لوجدت ذلك عندي » . الإشارة : من هذا الذي يقطع قلبه عن حب الدارين ، ويرفع همته عن الكونين ، فإن اللّه ( يضاعفه له أضعافا كثيرة ) بأن يملّكه الوجود بما فيه ، « أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان