ابن عجيبة

272

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

معك » ، ( واللّه يقبض ويبسط ) فيقبض الوجود تحت حكمك وهمتك ، إن رفعت همتك عنه ، ويبسط يدك بالتصرف فيه ، إن علقت همتك بخالقه . أو يقبض القلوب بالفقد والوحشة ، ويبسطها بالإيناس والبهجة . أو يقبض الأرواح بالوفاة ، ويبسطها بالحياة . والقبض والبسط عند أهل التصوف : حالتان تتعاقبان على القلوب تعاقب الليل والنهار ، فإذا غلب حال الخوف كان مقبوضا ، وإذا غلب حال الرجاء كان مبسوطا ، وهذا حال السائرين . أما الواصلون فقد اعتدل خوفهم ورجاؤهم ، فلا يؤثر فيهم قبض ولا بسط ، لأنهم مالكوا الأحوال . قال القشيري : فإذا كاشف العبد بنعت جماله بسطه ، وإذا كاشفه بنعت جلاله قبضه . فالقبض يوجب إيحاشه ، والبسط يوجب إيناسه ، واعلم أنه يردّ العبد إلى حال بشريته ، فيقبضه حتى لا يطيق ذرّة ، ويأخذه مرّة عن نعوته ، فيجد لحمل ما يرد عليه قدرة وطاقة ، قال الشّبلى رضي اللّه عنه : ( من عرف اللّه حمل السماوات والأرض على شعرة من جفن عينه ، ومن لم يعرف اللّه - جل وعلا - لو تعلق به جناح بعوضة لضجّ ) . وقال أهل المعرفة : [ إذا قبض قبض حتى لا طاقة ، وإذا بسط بسط حتى لا فاقة ، والكل منه وإليه ] . ومن عرف أن اللّه هو القابض الباسط ، لم يعتب أحدا من الخلق ، ولا يسكن إليه في إقبال ولا إدبار ، ولم ييأس منه في البلاء ، ولا يسكن إليه في عطاء ، فلا يكون له تدبير أبدا . ه . ولكلّ من القبض والبسط آداب ، فآداب القبض : السكون تحت مجارى الأقدار ، وانتظار الفرج من الكريم الغفار . وآداب البسط : كف اللسان ، وقبض العنان ، والحياء من الكريم المنان . والبسط مزلّة أقدام الرجال . قال بعضهم : ( فتح علىّ باب من البسط فزللت زلّة ، فحجبت عن مقامي ثلاثين سنة ) . ولذلك قيل : قف على البساط وإياك والانبساط واعلم أن القبض والبسط فوق الخوف والرجاء ، وفوق القبض والبسط : الهيبة والأنس فالخوف والرجاء للمؤمنين ، والقبض والبسط للسائرين ، والهيبة والأنس للعارفين ، ثم المحو في وجود العين للمتمكنين ، فلا هيبة لهم ، ولا أنس ، ولا علم ، ولا حس . وأنشدوا : فلو كنت من أهل الوجود حقيقة * لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي وكنت بلا حال مع اللّه واقفا * تصان عن التّذكار للجن والإنس « 1 »

--> ( 1 ) ورد هذان البيتان في قصة مع أبي سعيد الخراز ، ذكرها القشيري في الرسالة .