ابن عجيبة
268
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : إنما كرره لأن الأولى في غير المدخول بها ، إذا طلقت قبل الفرض ، وهذه في المدخول بها ، وعبّر أولا بالمحسن : لأن المتعة قبل الدخول لا يعطيها إلا أهل الإحسان ؛ لأن المطلق لم يحصل له تمتع بالزوجة ، بخلاف الثاني ، فمطلق المدخول بها ، التقوى تحمله على الإمتاع . وقيل : لمّا نزلت الآية الأولى ، قال رجل من المسلمين : إن أحسنت متّعت وإلّا تركت ، فنزلت الثانية تأكيدا . وقال : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ الشرك ، أي : على كل مؤمن ، وحكمها : الندب ، عند مالك ، على تفصيل ذكره في المختصر ، فقال عاطفا على المندوب : والمتعة على قدر حاله ، بعد العدة للرجعة ، أو ورثتها ، ككل مطلّقة في نكاح لازم ، لا في فسخ ؛ كلعان وملك أحد الزوجين ، إلا من اختلعت ، أو فرض لها وطلقت قبل البناء ، ومختارة لعتقها أو لعيبه أو مخيّرة أو مملكة . الإشارة : كل من طلق نفسه وخالف هواها تمتع بحلاوة المعاملة مع ربه ، فمن اتصل بشيخ التربية تمتع بحلاوة العبادة القلبية كالشهود والعيان ، ومن لم يتصل بالشيخ تمتع بحلاوة العبادة الحسية . فالآية الأولى في المريدين والواصلين ، وهذه الآية في العبّاد والزهاد ، ولذلك عبر في الأولى بالمحسنين ، وفي الثانية بالمتقين ، واللّه تعالى أعلم . ثم حذّر من الفرار من الموت ، توطئة للترغيب في الجهاد ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 243 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) قلت : الاستفهام للتعجب والتشويق ، والرؤية قلبية ، والواو للحال ، و ( حذر ) مفعول من أجله . يقول الحق جل جلاله : ألم تنظر يا محمد ، بعين الفكر والاعتبار ، إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ عشرة ، أو ثلاثون ، أو أربعون ، أو سبعون ، حذرا من الْمَوْتِ في زمن الطاعون . وكانوا في قرية يقال لها : ( داوردان ) فلما وقع بها الطاعون ، خرجت طائفة هاربين ، وبقيت أخرى ، فهلك أكثر من بقي ، وسلم الخارجون ، ثم رجعوا ، فقال الباقون : لو صنعنا مثلهم لبقينا ، لئن أصابنا الطاعون مرة ثانية لخرجنا ، فأصابهم من قابل ، فهربوا كلهم ، ونزلوا واديا أفيح « 1 » ، فناداهم ملك من أسفل الوادي ، وآخر من أعلاه ، أن :
--> ( 1 ) الأفيح والفياح : كل موضع واسع ، ومنه : روضة فيحاء .