ابن عجيبة

269

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

موتوا ، فماتوا كلهم أجمعون ، ومرت عليهم مدة ثمانية أيام أو أكثر حتى انتفخوا ، وقيل : صاروا عظاما ، فمرّ عليهم نبي اللّه ( حزقيل ) ، فدعا اللّه تعالى ، واستشفع فيهم ، فأحياهم اللّه ، وعاشوا دهرا ، عليهم سيما الموت ؛ لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن ، واستمر في أسباطهم . ه . قال الأصمعي : لما وقع الطاعون بالبصرة ، خرج رجل منها على حمار معه أهله ، وله عبد يسوق حماره ، فأنشأ العبد يقول : لن يسبق الله على حمار * ولا على ذي مشعة طيّار قد يصبح اللّه أمام الساري « 1 » فرجع الرجل بعياله . والآية تدل على أن الفرار من الطاعون حرام في تلك الشريعة ، كما حرم في شرعنا ، وروى عبد الرحمن ابن عوف أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا سمعتم هذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع ببلد وأنتم فيه فلا تخرجوا منه » . قلت : وقد اختلف الأئمة في حكم الفرار والقدوم : فمنهم من شهر المنع فيهما تمسكا بظاهر الحديث ، ومنهم من شهر الكراهة . والمختار في الفرار : التحريم ، وفي القدوم : التفصيل ، فمن قوى يقينه ، وصفا توحيده ، حلّ له القدوم ، ومن ضعف يقينه ، بحيث إذا أصابه شئ نسب التأثير لغير اللّه حرم عليه القدوم . وفي حديث عائشة - رضي اللّه عنها - قلت : يا رسول اللّه ، ما الطاعون ؟ قال : « غدة كغدة البعير ، المقيم فيه كالشهيد ، والفارّ منه كالفار من الزحف » . قال ابن حجر : كون المقيم فيه له أجر شهيد إنما بشرط أن يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب اللّه له ، وأن يسلم إليه أمره ويرضى بقضائه ، وأن يبقى في مكانه ولا يخرج منه بقصد الفرار ، فإذا اتصف الجالس بهذه القيود حصل له أجر الشهادة . ودخل تحته ثلاث صور ، الأولى : من اتصف بذلك فوقع له الطاعون ومات فهو شهيد . والثانية : من وقع به ولم يمت به فهو شهيد وإن مات بعد ذلك . والثالثة : من لم يقع به أصلا ومات بغيره عاجلا أو آجلا فهو شهيد ، إذا حصلت فيه القيود الثلاثة ، ومن لم يتصف بالقيود الثلاثة فليس بشهيد ، ولو مات بالطاعون . واللّه أعلم ه . وأما القدوم من بلد الطاعون إلى البلد السالمة منه فجائز . ولا يمنع من الدخول ، قاله الباجي وابن حجر والحطاب وغيرهم لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « لا عدوى ولا طيرة » وأما قوله عليه الصلاة والسلام :

--> ( 1 ) ذكر القرطبي البيت الثاني كاملا ، وهو : أو يأتي الحتف على مقدار * قد يصبح الله أمام الساري