ابن عجيبة
248
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
النشوان من خراب الظاهر ، وصدور الأحوال الغريبة ، ونفعهما خاص عند خواص الخواص ، لا يفهمه إلا الخواص ، بل يجب كتمه عن غير أهله . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم وقع سؤال ثالث عن قدر المنفق ، فأشار إليه الحق جل جلاله بقوله : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا . . . قلت : ( العفو ) : ضد الجهد ، وهو السهل ، ويقال للأرض السهلة : عفو ، والمراد : أن ينفق ما تيسر بذله ، ولا يبلغ به الجهد ، وهو خبر ، أو مفعول ، أي : هو العفو ، أو ينفقون العفو . يقول الحق جل جلاله : وَيَسْئَلُونَكَ ما القدر الذي ينفقونه ؟ قُلْ لهم : هو الْعَفْوَ أي : السهل الذي لا مشقة في إعطائه ، ولا ضرر على المعطى في فقده ، روى أن رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقدر بيضة من الذهب ، فقال : خذها عنى صدقة ، فأعرض عنه ، حتى كرّر مرارا ، فقال : هاتها ، مغضبا ، فحذفها حذفا لو أصابه لشجّه ، فقال : « يأتي أحدكم بماله كلّه يتصدّق به ، ويجلس يتكفّف الناس ، إنما الصدقة عن ظهر غنى » . قاله البيضاوي مختصرا . قلت : وهذا يختلف باختلاف اليقين ؛ فقد تصدّق الصدّيق رضي اللّه عنه بماله كله ، وعمر رضي اللّه عنه بنصف ماله ، فأقرهما ، وردّ فعل غيرهما ، فدلّ ذلك على أن العفو يختلف باختلاف الأشخاص ، على حسب اليقين . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي : مثل هذا التبيين الذي ذكرنا ، ( يبين ) لكم الآيات ، حتى لا يترك لكم إشكالا ولا وهما ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ بعقولكم ، وتأخذون بما يعود نفعه عليكم ، فتتفكرون [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 220 ] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 ) فِي الدُّنْيا وسرعة ذهابها وتقلبها بأهلها ، إذا أقبلت كانت فتنة ، وإذا أدبرت كانت حسرة ، لا يفي طالبها بمقصوده منها ولو ملكها بحذافيرها ، ضيقة الزمان والمكان ، عمارتها إلى الخراب ، وشأنها إلى انقلاب ، سريعة الزوال ، وشيكة الانتقال ، فتزهدون فيها وترفعون همتكم عنها . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « مالي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل سافر في يوم صائف ، فاستظلّ تحت شجرة ، ثم راح وتركها » . وفي صحف إبراهيم عليه السّلام : « عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك ، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب - أي : يتعب - عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها » . وأنشدوا :