ابن عجيبة
249
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ألا إنّما الدنيا كأحلام نائم * وكلّ نعيم ليس فيها بدائم تذكّر إذا ما نلت بالأمس لذّة * فأفنيتها هل أنت إلا كحالم وتتفكرون في ( الآخرة ) ودوام نعيمها ، وسعة فضائها ، وبهجة منظرها ؛ فترغبون في الوصول إليها ، وتتأهبون للقائها ، فتؤثرونها على هذه الدار الفانية . قال بعض الحكماء : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من طين يبقى ، لكان ينبغي للعاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى ، لا سيما والأمر بالعكس ، الدنيا من طين يفنى ، والآخرة من ذهب يبقى ، فلا يختار هذه الدار إلّا أحمق خسيس الهمة ، وباللّه التوفيق . الإشارة : كما نهى الحق جل جلاله عن السرف في الأموال ، ونهى عن السرف في الأحوال ، فالسرف ، من حيث هو ، يؤدى إلى الملل والانقطاع ، « أحب العمل إلى اللّه ما دام عليه صاحبه ، وإن قل » كما في الحديث ، واللّه ما رأينا أحدا أسرف في الأحوال إلا ملّ ، وضعف حاله ، وفي الحديث : « لا يكن أحدكم كالمنبت - أي : المنقطع - لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى » . وقال في المباحث : فاحتل على النفس فربّ حيله * أنفع في النّصرة من قبيله فلا يزال يسايس نفسه شيئا فشيئا حتى يملكها ، ويظفر بها ، فإذا ظفر بها كانت له شبكة يصطاد بها العلوم والمعارف ، فتتفكر في الدنيا فتراها فانية فترحل عنها ، ثم تتفكر في الآخرة فتراها باقية ، فإذا رامت السّكنى فيها رأتها كونا مخلوقا فرحلت إلى خالقها ، فكشف الحق عنها الحجاب ، وأدخلها مع الأحباب ، فغابت عن الكونين في شهود المكون ، فلم يبق لها دنيا ولا آخرة ، بل هي الآن في بهجة ونضرة ( إلى ربها ناظرة ) ، حققنا اللّه بهذا المقام العلى . آمين . ثم سألوا أيضا عن مخالطة اليتامى ، فأجابهم الحق تعالى بقوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى . . . قلت : العنت : التعب والمشقة ، أعنتكم : أتعبكم . يقول الحق جل جلاله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ مخالطة الْيَتامى أي : خلط مال اليتامى بمال الوصىّ ، أو القائم به ، فيأكلون جميعا ، قُلْ لهم : يفعلون ما هو إِصْلاحٌ لليتيم وأحفظ لماله ، فإن كان خلط مال اليتيم مع