ابن عجيبة
246
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وساقيها ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة له ، وآكل ثمنها » . فهذه آثام ، وفيها مَنافِعُ لِلنَّاسِ أي : منافع دنيوية ؛ ككسب المال بلا تعب ، وإطعام الفقراء من كسبه ، كما كانت تصنع العرب في الميسر ، وفي الخمرة اللذة والنشوة ، كما قال حسان رضي اللّه عنه : ونشربها فتتركنا ملوكا * وأسدا لا ينهنهنا اللقاء « 1 » وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ؛ لأن منفعتهما دنيوية ، وعقوبة إثمهما أخروية ، وهذه الآية نزلت قبل التحريم . روى أنه لما نزل بمكة قوله تعالى : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ، أخذ المسلمون يشربونها ، ثم إن عمر ومعاذا في نفر من الصحابة ، قالوا : أفتنا يا رسول اللّه في الخمر ؛ فإنها مذهبة للعقل ، فنزلت هذه الآية ، فشربها قوم وتركها آخرون ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا إلى داره ، فشربوا وسكروا ، ثم قام يصلى بهم فقرأ : ( قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ) ؛ من غير نفى ، فنزلت : . . . لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى . . . فاجتنبوها في أوقات الصلاة . ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن أبي وقاص في جماعة ، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا ، فأنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار ، فضربه أنصارى بلخى بعير فشجّه ، فشكى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال عمر : اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزلت إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ . . . إلى قوله . . . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال عمر : قد انتهينا يا رب . ه . ولما شربها بعض الناس بعد التحريم ، كان - عليه الصلاة والسلام - يضرب فيها بالنعال والجريد ، ضربا غير محدود ، وضرب أبو بكر وعمر أربعين ، وأول من حد فيها ثمانين سيدنا عثمان « 2 » ، لما تهافت الناس فيها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن الحق تعالى جعل للعقل نورا يميز بين الحق والباطل ، بين الضار والنافع ، وبين الصانع والمصنوع ، ثم إن هذا النور قد يتغطى بالظلمة الطينية ؛ وهي نشوة الخمر الحسية . وقد يتغطى أيضا بالأنوار الباهرة من الحضرة الأزلية إذا فاجأته ، فيغيب عن الإحساس في مشاهدة الأنوار المعنوية ، وهي أسرار الذات الأزلية ، فلا يرى إلا أسرار المعاني القديمة ، وينكر الحوادث الحسية ، فسمى الصوفية هذه الغيبة خمرة ؛ لمشاركتها للخمر في غيبوبة العقل ، وتغنوا بها في أشعارهم ومواجيدهم ، قال ابن الفارض رضي اللّه عنه : شربنا على ذكر الحبيب مدامة * سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم « 3 »
--> ( 1 ) قوله : ( لا ينهنهنا ) ، النهنهة : الكف والمنع ، والمراد : لا نخاف لقاء العدو . ( 2 ) الوارد أن سيدنا عمر رضي اللّه عنه هو أول من حد في شرب الخمر ثمانين . أنظر فتح الباري 12 / 70 - 75 . ( 3 ) هذا الشعر مبنى على اصطلاح الصوفية . فإنهم يذكرون في عباراتهم الخمرة بأسمائها وأوصافها . ويريدون بها ما أدار الله على ألبابهم من المعرفة ، أو من الشوق والمحبة . وقوله : ( سكرنا ) كناية عن إغفال أمور الدنيا والحياة ، مع معرفة الله عز وجل - وهو كما يقول الآلوسي : سكر أرواح لا أشباح .