ابن عجيبة
233
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
التخيير والرد على الجاهلية ، فإنّ منهم من أثّم المتعجل ، ومنهم من أثّم المتأخر . هذا كله لِمَنِ اتَّقى اللّه في حجه ، فلم يرفث ، ولم يفسق ، فإنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، كما قال الصادق المصدوق ، وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع أموركم ، فإنه ذكر وشرف لكم ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فتجازون على ما أسلفتم من خير أو شر . الإشارة : الأيام المعدودات هي أيام الدنيا ؛ فإنها قلائل معدودة ، وهي كلها كيوم واحد ، وأيام البرزخ يوم ثان ، وأيام البعث وما بعده يوم ثالث ، فمن تعجل في يومين ، بحيث طوى في نظره أيام الدنيا وأيام البرزخ ، وسكن بقلبه في يوم القيامة فلا إثم عليه ، وهذا هو صاحب الهمة المتوسطة ، ومن تأخر حتى زهد في الأيام الثلاثة ، وعلق همته بمولاه ، ولم يلتفت إلى ما سواه ، فلا إثم عليه في ذلك التأخر ، إن اتقى شهود السوي ، وعلق همته بمحبة المولى ، ثم حض سبحانه على هذه التقوى فقال : ( واتقوا اللّه ) فلا تشهدوا معه سواه ، ( واعلموا أنكم إليه تحشرون ) فتروا ما فاز به المتقون . ولمّا أمر الحق سبحانه عباده بالتقوى ذكر من لم يرفع بذلك رأسا واتبع هواه ، ومن امتثل أمره وباع نفسه للّه فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 204 إلى 207 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) قلت : نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي ، أما الأخنس فكان رجلا حسن المنظر ، حلو المنطق ، كان يوالى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويدّعى الإسلام ، ثم ارتد ، ومرّ على زرع وحمر للمسلمين فقتلها وأفسد الزرع ، قال ابن عطية : ولم يثبت أنه أسلم . قلت : بل ذكره في القاموس من الصحابة ، فانظره ، ولعله تاب بعد نزول الآية . وأما صهيب الرومي فأخذه المشركون وعذبوه ليرتد ، فقال لهم : إني شيخ كبير ؛ لا أنفعكم إن كنت معكم ، ولا أضركم إن كنت عليكم ، فخلوني وما أنا عليه ، وخذوا مالي ، فقبلوه منه ، وأتى المدينة فلما رآه صلّى اللّه عليه وسلم قال له : « ربحت يا أبا يحيى » .