ابن عجيبة
234
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقيل : نزلت في المنافقين ومن نحا نحوهم ، وفيمن باع نفسه للّه في الجهاد وتغيير المنكر من المسلمين . و ( في الحياة الدنيا ) يتعلق بالقول ، و ( ألد الخصام ) شديده ، وفي الحديث : « أبغض الرّجال إلى اللّه الألدّ الخصم » . والخصام : مصدر ، أو جمع خصيم . يقول الحق جل جلاله : وَمِنَ النَّاسِ قوم حلو اللسان خراب الجنان ، إذا تكلم في شأن الدنيا يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فيها لرونقه وفصاحته ، وَيُشْهِدُ اللَّهَ أي : يحلف على أنه موافق لقلبه ، وأن ظاهره موافق لباطنه ، وهو شديد الخصومة والعداوة للمسلمين ، أو أشد الخصوم ، وَإِذا تَوَلَّى أي : أدبر وانصرف عنك ، سَعى فِي الْأَرْضِ أي : مشى فيها بنية الإفساد لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ كما فعل الأخنس ، أو كما فعله أهل الظلم ، فيحبس اللّه القطر ، فيهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيهم ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ أي : لا يرتضيه ، فاحذروا غضبه . وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ وارجع عما أنت عليه من الفساد أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ أي : حملته الحمية والأنفة بسبب الإثم الذي ارتكبه ، فلا ينزجر عن غيّه . أو حملته الحمية على الإثم الذي يؤمر باتقائه . فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ أي : كفته عذابا وعقابا ، وهي علم لدار العقاب ، كالنار ، وَلَبِئْسَ الْمِهادُ هي ، أي : بئس الفراش الذي مهّده لنفسه . ونزل في مقابله ، وهو صهيب ، أو كل من بذل نفسه للّه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أي : يبيعها ويبذلها للّه في الجهاد وغيره ، ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ والوصول إلى حضرته وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ الذين يفعلون مثل هذا ، فيدرأ عنهم المضارّ ، ويجلب لهم المسارّ أينما حلوا من الدارين . الإشارة : الناس على قسمين : قسم زيّنوا ظواهرهم وخرّبوا بواطنهم ، ظاهرهم جميل وباطنهم قبيح ، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس ، أعجبك قولهم ، وراقك منظرهم ، وإذا تكلموا في الآخرة ، أو في المعنى ، أخذتهم الحبسة والدهشة . وفي بعض الكتب المنزلة : « إنّ من عباد اللّه قوما ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصّبر ، يلبسون للنّاس جلود الضّأن من اللّين ، يجترّون الدّنيا بالدّين ، يقول اللّه تعالى : أبى يغترّون ، وعلىّ يجترئون ؟ حلفت لأسلطنّ عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران » . وقوله ( يلبسون . . . ) إلخ . كناية عن إظهار اللين والسهول ليخدع ويغر الناس ليتوصل إلى حظ نفسه من الدنيا ، ومع ذلك يدعى موافقة ظاهره لباطنه ، وهو شديد الخصومة لأهل اللّه ، وإذا تولى عنك اشتغل بالمعاصي والذنوب ، ليفسد في الأرض ، ويهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيه ، وإذا ذكّر : أنف واستكبر ، وأخذته حمية الجاهلية ، فحسبه البعد في نار القطيعة .