ابن عجيبة

232

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أُولئِكَ الذين طلبوا خير الدارين لَهُمْ نَصِيبٌ وحظّ من الجزاء الوافر من أجل ما كسبوا من الأعمال الصالحات ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب عباده على كثرتهم ، وكثرة أعمالهم ، في مقدار لمحة . قيل لعلىّ رضي اللّه عنه : كيف يحاسب الله عباده في ساعة واحدة ؟ فقال : كما يرزقهم في ساعة واحدة . ه . أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده ) فبادروا إلى اغتنام الطاعات ، واكتساب الحسنات ، قبل هجوم الممات . الإشارة : الناس ثلاثة : صاحب همة دنيّة ، وذو همة متوسطة ، وصاحب همة عالية ، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية ، وأكبّ على جمع حطامها الفانية ، فقلب هذا خال من حب الحبيب ، فما له في الآخرة من نصيب . وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين ، وصلاح الحالين ، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار ، ولم ينس نصيبه من الدنيا ليقضى ما له فيها من الأوطار ، فهذا له في الدنيا حسنة ، وهي الكفاية والغنى ، وفي الآخرة حسنة ، وهي النعمة والسرور والهنا . وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونين ، وأغمض طرفه عن الالتفات إلى الدارين ، بل علّق همته بمولاه ، ولم يقنع بشئ سواه ، قد ولى عن هذه الدار مغضيا ، وأعرض عنها موليا ، ولم يشغله عن اللّه شئ ، يقول بلسان المقال إظهارا لعبوديته للكبير المتعال : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وهي النظرة والشهود ، ورضا الملك الودود ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى ، من المقربين والأنبياء ، في حضرة الشهود المؤبد فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ . أتحفنا اللّه من ذلك بحظّ وافر ، بمنّه وكرمه ، نحن وأحباءنا أجمعين ، آمين . ثم تمّم الحق تعالى ما بقي من مناسك الحج ؛ وهي رمى الجمار أيام منى ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 203 ] وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) يقول الحق جل جلاله : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وهي ثاني النّحر وثالثه ورابعه ، وهي أيام التشريق وأيام منى ، وأما الأيام المعلومات فهي يوم النحر وثانيه وثالثه . والمراد بالذكر : التكبير عند الرمي ، وذبح القرابين ، وخلف الصلوات الخمس ، وغير ذلك ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ بحيث رمى ثاني النحر وثالثه ، ورجع ، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ لرمى رابع النحر ، وهو ثالث أيام منى ، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، والقصد بنفي الإثم :