ابن عجيبة

179

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ الباطلة وآراءهم الزائفة فرضا وتقديرا مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الواضح والوحي الصحيح إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ، لكنك معصوم ، فلا يتصور اتباعك لهم أبدا . الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي : اليهود يَعْرِفُونَهُ أي : الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه أو القرآن أو التحويل ، كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ لا يشكّون في صحة رسالته كما لا يشكون في معرفة أبنائهم . وعن عمر رضي اللّه عنه أنه سأل عبد اللّه بن سلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ( أنا أعلم به منّى بابني ، قال له : ولم ؟ قال : لأنّى لست أشكّ في محمد أنه نبىّ اللّه . وأما ولدي فلعلّ والدته قد خانت ) . وبعد حصول هذه المعرفة لهم جحدوه وكتموا صفته ، إلا من عصمه اللّه بالإيمان كعبد اللّه بن سلام وأصحابه - فقد كتم فريق منهم الحق وهم أحبارهم ، وهم يعلمون أنه حق حسدا وعنادا . هذا الذي أنت عليه يا محمد هو الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي : من الشاكين في أنه الحق ، أو في كتمانهم الحق عالمين به . والخطاب مصروف للسامعين لا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه غير متوقع منه ، وإنما المراد تحقيق الأمر ، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر ، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ . قاله البيضاوي . الإشارة : مما جرت به سنة اللّه تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة ، أو تقول : علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر ، يقابلونهم بالإذاية والإنكار ، مع أنهم يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم ، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا سمعه أهل الغرة باللّه أنكروه عليهم » . أو كما قال - عليه الصلاة والسلام - ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لكلّ آية ظاهر وباطن وحدّ ومطلع » . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان ، فيقال لأهل الباطن : ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت إليها ؛ لأنها منوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس ، وخرق العوائد لاكتساب الفوائد ، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان ، وما أنت أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها ، ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما ظهر لك من علم التحقيق : إنك إذا لمن الظالمين لنفوسهم . الذين آتيناهم الكتاب من علماء الشريعة يعرفون علم الحقيقة ، كما يعرفون أبناءهم ، أي : يقرون به في الجملة وينكرون وجود أهله مخصوصين ، وقد يتحققون به ويكتمون الحق حسدا ، وهم يعلمون وجود خصوصيته ، فيقال