ابن عجيبة

180

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

للعارف : هذا الذي أنت عليه من سلوك جادة الطريق ، وعلم التحقيق ، هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أنك على الحق المبين . ثم بيّن الحق تعالى قبلة من بعد عن مكة ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 148 إلى 149 ] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149 ) قلت : التنوين في ( لكل ) تنوين العوض ، أي ولكل أمة قبلة ، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة ، و ( وجهة ) مبتدأ ، والخبر : المجرور قبله . و ( هو ) مبتدأ ، و ( موليها ) خبر مقصور ، و ( ولى ) يتعدى إلى مفعولين ، وهو هنا محذوف ، أي : موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف ، ويحتمل أن يعود على اللّه تعالى ، أي : اللّه تعالى موليها إياه ، أي : يجعلها موالية له إن استقبل جهتها . وقرأ ابن عامر : ( هو مولّاها ) بالبناء للمفعول ، فالنائب ضمير يعود على ( هو ) ، وهو المفعول الأول ، والثاني : المضاف إليه تخفيفا ، وأصله : مولى إياها ، أي مصروفا إليها . يقول الحق جل جلاله : ولكل فريق من المسلمين جهة من الكعبة يستقبلها ويوليها وجهه ، أينما كان وحيثما حل ، فأكثروا من الصلوات ، واستقبلوا الخيرات قبل هجوم هادم اللذات ، أَيْنَما تَكُونُوا في مشارق الأرض ومغاربها ، يأتكم الممات ، ويأت بكم إلى المحشر حفاة عراة ، ولا ينفعكم حينئذ إلا صالح عمل قدمتوه ، أو فعل خير أسلفتموه ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، فلا يعجزه بعث العباد ، ولا جمعهم من أعماق الأرض وأقطار البلاد . وإذا علمت أن لكل قوم جهة يستقبلونها ، فمن حَيْثُ خَرَجْتَ وفي أي مكان حللت فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، واللّه إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فبادر إلى امتثاله ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من خير أو شر ، فيجازى كل واحد على ما أسلف .