ابن عجيبة

176

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( جعل ) تصييرية ، و ( القبلة ) مفعول أول ، و ( التي ) صفة للمفعول الثاني المحذوف ، أي : وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي بيت المقدس ، ثم وجهناك إلى الكعبة إلا لنعلم الثابت على الإيمان من غيره ، أو : وما صيرنا القبلة الجهة التي كنت عليها بمكة وهي الكعبة ، فإنه كان - عليه الصلاة والسلام - يصلى إليها بمكة . وقيل : كان يستقبل بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبينها ، كما قال ابن عباس ، و ( إن ) مخففة ، واللام فارقة . أي : وإنه ، أي : الأمر والشأن : كانت التحويلة لشاقة على الناس ، والرأفة : شدة العطف ، فهي أبلغ من الرحمة . واللّه تعالى أعلم . يقول الحق جل جلاله : وما نسخنا حكم القبلة وجعلناها الجهة التي كنت عليها بمكة دون التي كانت بالمدينة ، وهي بيت المقدس ، إِلَّا لِنَعْلَمَ علم ظهور وشهادة مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ في التحول إليها مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ لضعف إيمانه وقلة إيقانه ، فإن التحويلة عن القبلة الأولى والرجوع عنها إلى الثانية شاق على النفوس ، إلا من سبقت له الهداية وحفت به الرعاية ، فإنه يدور مع مراد اللّه أينما دار ، ويتبع رسوله أينما سار . ومن مات قبل التحويل إلى الكعبة فإن اللّه لا يضيع أجر عمله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي : صلاتكم إلى بيت المقدس ؛ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ . الإشارة : الخروج عن العادات وترك الأمور المألوفات كلاهما شاق على النفوس ، إلا على الذين هدى اللّه ، ولذلك كان خرق العوائد هو الفصل بين الخصوص والعموم ، ومفتاح لمخازن العلوم والفهوم . فمن لم يخرق عوائد نفسه فلا يطمع أن يدخل حضرة قدسه . ( كيف يخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد ) . وهو الميدان الذي تحقق به سير السائرين . ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) . وهو عند شيوخ التربية ميزان يتميز به من يتبع الرسول ويلزم طريقه إلى الوصول ، ممن ينقلب على عقبيه ، فمن رأوه خرق عوائد نفسه ، وزهد في ملبسه وجنسه ، تحققوا بدخوله حضرة قدسه ، إلا من سبق له الحرمان والعياذ باللّه من الخذلان ، ومن رأوه وقف مع العادات ، وركن إلى المألوفات ، ومال إلى الرّخص والتأويلات ، علموا أن مقامه مقام أهل الحجاب ، يأخذ أجره من وراء الباب ، ولا نصيب له في الدخول مع الأحباب . وأيضا عند تخالف الآثار وتنقلات الأطوار ، يظهر الإقرار من الإنكار . أهل الإقرار عارفون في كل حال ، يدورون مع رياح الأقدار حيث سارت ، ويسيرون معها حيث سارت ، وأهل الإنكار جاهلون باللّه في كل حال ، معترضون عليه عند اختلاف الأحوال ، نعوذ باللّه من الضلال .