ابن عجيبة

177

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر الحق تعالى كيفية ابتداء نسخ القبلة ، فقال : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . . . قلت : التقلب : التردد ، وولّيت كذا : جعلته واليا له ، والشّطر هنا : الجهة . يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - حين تمنى أن يحول إلى الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأدعى إلى إسلام العرب ، وهي أقدم القبلتين ، فكان ينظر إلى السماء ، ويقلب وجهه فيها انتظارا لنزول الوحي ، وهذا من كمال أدبه - عليه الصلاة والسلام - حيث انتظر ولم يطلب ، فقال له الحق تعالى : قَدْ نَرى أي : ربما نرى تردد وَجْهِكَ فِي السَّماءِ انتظارا للوحي ، فلنعطينك ما تمنيت ، ونوجهك إلى قبلة تَرْضاها وتحبها لمقاصد دينية وافقت المشيئة ، واقتضتها الحكمة ، فَوَلِّ وَجْهَكَ أي : اجعله مواليا شَطْرَ أي : جهة الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ أيها المؤمنون أي في أي مكان كنتم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ جهته . وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد ، أي : جهته ، دون عين الكعبة ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة ، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة ، فإن استقبال عينها حرج عليه ، بخلاف القريب ، فإنه يسهل عليه مسامتة العين « 1 » ، وقيل : إن جبريل - عليه السّلام - عيّنها له بالوحي فسميت قبلة وحي . روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، ثم وجّه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين ، وقد صلى بأصحابه في مسجد بنى سلمة ركعتين من الظهر ، فتحول في الصلاة ، واستقبل الميزاب ، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم ، فسمى مسجد القبلتين . قاله البيضاوي . الإشارة : في الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب ، وفي الحكم : « ربما دلهم الأدب على ترك الطلب ، كيف يكون دعاؤك اللاحق سببا في قضائه السابق ؟ ! جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل » . فإذا تمنيت شيئا وتوقفت على أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى ، أو يعوضك منها مقام الرضا . وفي المسألة كلام ، والتحقيق أن ينظر إلى ما ينشرح به صدره في الوقت ، فإن انشرح للدعاء دعا ، وإن انقبض عن الدعاء سكت . واللّه يرزق من يشاء بغير حساب ولا علة ولا أسباب .

--> ( 1 ) سامته : قابله ووازاه وواجهه .