ابن عجيبة
173
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لإبراهيم بالحنيفية ، والبراءة من اليهودية والنصرانية ، أي : لا أحد أظلم منه ، وليس اللّه تعالى بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ، بل يجازيكم على النقير والقطمير ، فإن اعتمدتم على نسبكم إليهم فقد اغتررتم . تِلْكَ أُمَّةٌ قد مضت ، لَها ما كَسَبَتْ لا ينتفع به غيرها ، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ لا ينفعكم غيره ، ولا تسألون عن عملهم كما لا يسألون عن أعمالكم . قال البيضاوي : كرره للمبالغة في التحذير ، والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء ، والاتكال عليهم ، وقيل : الخطاب فيما سبق لهم ، وفي هذه الآية لنا ، تحذيرا عن الاقتداء بهم ، وقيل : المراد بالأمة في الأولى الأنبياء ، وفي الثانية أسلاف اليهود والنصارى . ه . الإشارة : كل من أقامه الحق في وجهة ، ووجهه إليها ، فهو عامل للّه فيها ، قائم بمراد اللّه منها ، وما اختلفت الأعمال إلا من جهة المقاصد ، وما تفاوت الناس إلا من جهة الإخلاص . فالخلق كلهم عبيد للملك المجيد ، وما وقع الاختصاص إلا من جهة الإخلاص . فمن كان أكثر إخلاصا للّه كان أولى من غيره باللّه ، وبقدر ما يقع للعبد من الصفاء يكون له من الاصطفاء ، فالصوفية والعلماء والعباد والزهاد وأهل الأسباب على اختلاف أنواعهم كلهم عاملون للّه ، ليس أحد منهم بأولى من غيره باللّه إلا من جهة الإخلاص وإفراد القلب للّه ، فمن ادعى الاختصاص باللّه من غير هذه الوجهة فهو كاذب ، ومن اعتمد على عمل غيره فهو مغرور ، يقال له : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ . ولمّا أراد اللّه تعالى أن ينسخ القبلة من جهة الشام ويردها إلى الكعبة ، أخبر أنه سينكرها قوم خفّت أحلامهم ، وفسدت بالتقليد الردى عقولهم ، وهم أحبار اليهود والمنافقون والمشركون ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 142 ] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 ) يقول الحق جل جلاله : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الذين لا عقل لهم ولا دين ، حين تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة : ما صرفهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ، فلو دام عليها لاتبعناه . قُلْ لهم يا محمد : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ لا يختص ملكه بمكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع من إقامة غيره مقامه ، بل الأماكن عند اللّه سواء : والخلق في حقه سواء ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، ويضل من يشاء عن المنهاج القويم لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ، والصراط المستقيم : ما ترتضيه الحكمة وتفتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة ، والكعبة أخرى ، وفائدة تقديم الإخبار به : توطين النفس وإعداد الجواب . قاله البيضاوي .