ابن عجيبة
174
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال بعض العارفين : ( لي أربعون سنة ما أقامني الحق في شئ فكرهته ، ولا نقلنى إلى غيره فسخطته ) . بخلاف السفهاء من الجهال ، فشأنهم الإنكار عند اختلاف الأحوال ، فمن رأوه تجرد عن الأسباب وانقطع إلى الكريم الوهاب ، قالوا : ما ولّاه عن حاله الذي كان عليه ؟ وأكثروا من الاعتراض والانتقاد عليه ، وكذلك من رأوه رجع إلى الأسباب بعد الكمال ، قالوا : قد انحط عن مراتب الرجال . وهو إنما زاد في مراتب الكمال . فالملك كله للّه ، يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ، ويضل من يشاء بعدله الحكيم . ثم شهد الحق تعالى لهذه الأمة بالعدالة والفضل ، فقال : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . . . قلت : ( الوسط ) هو العدل الخيّر الفاضل ، وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوى إليه المساحة من الجوانب ، ثم استعير للخصال المحمودة ؛ لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط ، كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ، ثم أطلق على المتصف بها مستويا فيه الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث . قاله البيضاوي . يقول الحق جل جلاله : وكما جعلناكم مهتدين إلى الصراط المستقيم ، وجعلنا قبلتكم أفضل الجهات ، جعلناكم أمة أفضل الأمم ، خيارا عدولا مزكّين بالعلم والعمل ، لتصلحوا للشهادة على غيركم ، فتكونوا يوم القيامة شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، ويزكيكم نبيكم فيشهد بعدالتكم . قال البيضاوي : روى ( أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء ، فيطالبهم اللّه ببينة التبليغ وهو أعلم بهم ، إقامة للحجة على المنكرين ، فيؤتى بأمة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فيشهدون ، فتقول الأمم : من أين عرفتم ؟ فيقولون : علمنا ذلك بإخبار اللّه في كتابه النّاطق على لسان نبيه الصّادق . فيؤتى بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأل عن حال أمته فيشهد بعدالتهم ) . وهذه الشهادة ، وإن كانت لهم ، لكن لمّا كان الرسول كالرقيب المهيمن على أمته عدّى بعلى ، وقدّمت الصلة للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم . ه . الإشارة : التفاضل بين الرجال إنما يكون بالعلم والحال ، فمن قوى علمه باللّه كان أعظم قدرا عند اللّه ، والعلم الذي به الشرف عند اللّه هو العلم بذات اللّه وبصفاته وأسمائه ، وكذا العلم بأحكام اللّه إذا حصل معه العلم باللّه ، فكلما انكشف الحجاب عن القلب كان أقرب إلى الرب ، وانكشاف الحجاب يكون على قدر التخلية والتحلية ، فبقدر ما يتخلى القلب عن الرذائل ، ويبعد عن القواطع والشواغل ، ويتحلى بأنواع الفضائل ، ينكشف عنه الحجاب ويدخل مع