ابن عجيبة

172

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

التي خلق آدم عليها ، وأورثت ذلك في أرواح ذريته من الأنبياء والأولياء . ثم قال : وسقاها من شراب الزلفة ، وألهمها خصائص علوم الربوبية ، فاستنارت بنور المعرفة ، وخاضت في بحر الربوبية ، وخرجت منها تجليات أسرار الوحدانية ، وتكونت بصبغ الصفات . ه . وباللّه التوفيق . ولما ادعت اليهود والنصارى أنهم أولى الناس باللّه من غيرهم لتقدم دينهم ، رد اللّه عليهم ووبخهم فقال : ( قل أتحاجوننا . . . ) الآية . وقيل : إن اليهود قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : الأنبياء كلهم منا ، فلو كنت نبيا لكنت منا ، فرد اللّه عليهم بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 139 إلى 141 ] قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( 139 ) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 141 ) قلت : الذي يظهر أن ( أم ) منقطعة ، بمعنى بل ، على قراءة الخطاب والغيبة ؛ لأن المقصود إنكار وقوع الأمرين معا ، لا أحدهما . يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد لأهل الكتاب : أتخاصموننا فِي اللَّهِ وتقولون : أنتم أولى به منا وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ ، لا يختص به واحد دون آخر ، وَلَنا أَعْمالُنا نتقرب بها إليه ، وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ تتقربون بها أيضا ، فكيف تختصون به دوننا وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ في أعمالنا وقلوبنا دونكم فإنكم ؛ أشركتم به غيره ، فإن قلتم : إن الأنبياء كلهم منكم وعلى ملتكم فقد كذبتم ، أتقولون إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وأولاده الْأَسْباطَ كانُوا هُوداً على دينكم يا معشر اليهود ، أَوْ نَصارى على ملتكم يا معشر النصارى . قُلْ لهم يا محمد : أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وقد نفى الأمرين معا عن إبراهيم فقال : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وقال : وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ، وهؤلاء المعطوفون عليه : أتباعه في الدين ، فليسوا يهودا ولا نصارى ، فكيف تدعون أنهم كلهم منكم ، وعلى دينكم ، وأنتم تشهدون أنهم لم يكونوا على دينكم ؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ، وهي شهادة الحق