ابن عجيبة

167

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عليك » . والثاني : معرفته الطريق ، والسلوك على جادتها ، كارتكاب مشاق الطاعات ، ومعانقة مخالفة الهوى والشهوات ، ورؤية التقصير في ذلك ، وطلب التوبة مما هنالك ، وهذه هي مناسك حج القلوب ، والطريق الموصل إلى عرفة حضرة الغيوب ، والثالث : الظفر بالداعي إلى اللّه والدال عليه ، وهو المعلم الأكبر ، صحبته تطهر من العيوب ، ورؤيته تغنى القلوب ، وتدخلها إلى حضرة الغيوب ، ظاهره قائم بوظائف الحكمة ، وباطنه مشاهد لتصاريف القدرة ، وهذا هو القائم بالتربية النبوية . وباللّه التوفيق . ولما قرر شرف إبراهيم عليه السّلام وجعله إماما يقتدى به ، حذر من ترك دينه والرغبة عن ملته ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 130 إلى 132 ] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) قلت : ( من ) : استفهامية إنكارية ، فيها معنى النفي ، مبتدأ ، و ( يرغب ) وما بعده خبر ، و ( إلا ) إبطال لنفيها الذي تضمنته ، و ( من سفه ) بدل من ضمير ( يرغب ) على المختار ، و ( نفسه ) مفعول « سفه » ؛ لتضمنه معنى جهل أو أهلك ، قاله الزجاج ، أو على التمييز ؛ قاله الفراء ؛ لأن الضمير فيه معنى الشيوع الذي في ( من ) فلم يكسب التعريف ، أو على إسقاط الجارّ وإيصال الفعل إليه ، كقولهم : ضرب فلان الظهر والبطن . و ( إذ ) معمول لاصطفيناه ، وأوصى ووصى : لغتان ، إلا أن وصى فيه معنى التكثير . وضمير ( بها ) يعود على كلمة ( أسلمت ) ، أو الملة ، و ( يعقوب ) معطوف على « إبراهيم » ، و ( بنى ) محكى بحال محذوفة ، أي : قائلين يا بنى ، أو مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : قال يا بنى . . . إلخ ، فيوقف على ( بنيه ) . يقول الحق جل جلاله : وَمَنْ هذا الذي يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ الواضحة إِلَّا من جهل قدر نَفْسَهُ وبخسها حقها ؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه ؟ وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه إماما فِي الدُّنْيا يقتدى به أهل الظاهر والباطن ؟ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ لحضرتنا ، والساكنين في جوارنا . وإنما اخترناه لذلك لأنه حين قالَ لَهُ رَبُّهُ : استسلم لحكمنا ، وانقد لأمرنا ، قال سريعا : أَسْلَمْتُ وجهي لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، وانقدت بكلّيتى إليه . وَوَصَّى بهذه الكلمة أو الملة إِبْراهِيمُ ، عند موته ، بَنِيهِ ، وكانوا أربعة : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان . وكذلك حفيده يَعْقُوبُ أوصى بهذه الكلمة بنيه . وكانوا اثنى عشر ، على ما يأتي في الأسباط ، قائلين في تلك الوصية : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اختار لكم الدِّينَ الحنيف الواضح المنيف ، فتمسكوا به ما عشتم ، ولا تموتن إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ متمسكون به .