ابن عجيبة
168
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : ملة أبينا إبراهيم عليه السّلام هي رفع الهمة عن الخلق ، وإفراد الوجهة للملك الحق ، ورفض الوسائط والأسباب ، والتعلق برب الأرباب ، وفي ذلك يقول الشاعر ، وهو الششتري : فرفض السّوى فرض علينا لأنّنا * بملة محو الشّرك والشّكّ قد دنّا ومن ملته أيضا : ترك التدبير والاختيار ، والاستسلام لأحكام الواحد القهار ، فمن تمسك بهذه الخصال على التمام ، ووصى بها من لقيه من الأنام ، جعله اللّه في الدنيا إماما يقتدى بأقواله ويهتدى بأنواره ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين المقربين مع النبيين والمرسلين ، وأما من رغب عن هذه الملة الحنيفية فقد خسر الدنيا والآخرة . نسأل اللّه الحفظ بمنّه وكرمه . ولما ادّعت اليهود أن اليهودية هي ملة إبراهيم عليه السّلام كذّبهم اللّه تعالى ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 133 إلى 134 ] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) قلت : ( أم ) منقطعة ، والاستفهام فيها للإنكار ، أي : ما كنتم حاضرين حين حضر يعقوب الموت ، وقال لبنيه ما قال ، فكيف تدعون اليهودية عليه ، و ( إلها واحدا ) بدل من ( إله آبائك ) ، وفائدته التصريح بالتوحيد ، ونفى التوهم الناشئ عن تكرير المضاف ، لتعذر العطف على المجرور ، والتأكيد ، أو نصب على الاختصاص أو الحال ، وعد إسماعيل من الآباء تغليبا ، أو لأنه كالأب ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « عمّ الرجل صنو أبيه » وقال في العباس : « هذا بقية آبائي » . قاله البيضاوي . يقول الحق جل جلاله في توبيخ اليهود على زعمهم أن اليهودية كانت ملة إبراهيم ، وأن يعقوب عليه السّلام أوصى بها عند موته ، فقال : هل كنتم حاضرين عند يعقوب حين حضرته الوفاة حتى أوصى بما زعمتم ؟ وإنما كانت وصيته أن قال لبنيه : ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي أي : أىّ شئ تعبدونه ؟ أراد به تقريرهم على التوحيد وأخذ ميثاقهم على الثبات عليه ، ( قالوا ) في جوابه : نَعْبُدُ إِلهَكَ المتفق على وجوب وجوده وثبوت ألوهيته الذي هو إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ من قبلك إِبْراهِيمَ وولده إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ الذي هو إله واحد . ونحن منقادون لأحكامه ، مستسلمون لأمره إلى مماتنا ، فلم يوص يعقوب إلا بما سمعتم ، فانتسابكم يا معشر اليهود إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم ، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم .