ابن عجيبة
166
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بتحصيل مراتبه ، كتحقيق المشاهدة ، وهو أن يعبد اللّه كأنه يراه ، فإن لم يستطع فليعبده كأن اللّه يراه ، وإن شئت قلت : رفع قواعد الإسلام يكون بتحقيق التوبة والتقوى والاستقامة ، ورفع قواعد الإيمان يكون بتحقيق الإخلاص والصدق والطمأنينة ، ورفع قواعد الإحسان يكون بالمراقبة والمشاهدة والمعرفة ، كما قال الساحلى - رحمه اللّه - . ثم ذكر الحق تعالى دعاءهم بعد البناء ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 128 إلى 129 ] رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 ) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 ) قلت : قال ابن عباس رضي اللّه عنه : لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت ، دعوا بهذا الدعاء ، فقالا : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) أي : منقادين لأوامرك الظاهرة ولأحكامك القهرية . واجعل مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً أي : جماعة مُسْلِمَةً لَكَ . علما - بوحي أو إلهام - أنه يكون من ذريتهما من يكفر باللّه ، وَأَرِنا أي : عرفنا وعلمنا مَناسِكَنا في الحج . والنّسك في الأصل : غاية العبادة ، وشاع في الحج لما فيه من المشاق والكلفة ، والبعد عن العادة . وَتُبْ عَلَيْنا مما لا يليق بحالنا ، فحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلكل مقام ما ينقصه وإن كان كاملا . ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يستغفر في المجلس سبعين مرة . إذ ما من مقام إلا وقبله ما فيه نقص ، فإذا ترقى عنه استغفر منه ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أي : كثير القبول والإقبال على التائبين . رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ أي : في الذرية رَسُولًا مِنْهُمْ وهو مولانا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قال - عليه الصلاة والسلام - : « أنا دعوة أبى إبراهيم ، وبشارة عيسى » ، حال كونه يَتْلُوا عَلَيْهِمْ أي : يبلغهم آياتِكَ الدالة على توحيدك وصدق رسالتك ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي : القرآن وَالْحِكْمَةَ أي : الشريعة أو السنة . وقال مالك : هي الفقه في الدين والفهم فيه ، أو نور يضعه في قلب من شاء من عباده ، وَيُزَكِّيهِمْ أي : يطهرهم من لوث المعاصي وكدر الحس ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب في حكمه وسلطانه ، الْحَكِيمُ في صنعه وإتقانه ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : تضمن دعاؤهما عليهما السلام ثلاثة أمور يطلب التماسها والتحقق بها من كل أحد ؛ أولها : الانقياد للّه في الظاهر والباطن ، بامتثال أمره والاستسلام لقهره ، حتى يسرى ذلك في الأصل إلى فرعه ، وهي غاية المنة ، قال في الحكم : « متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره ، وفي الباطن مستسلما لقهره ، فقد أعظم منته