ابن عجيبة
165
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قاس إبراهيم الخليل الرزق على الإمامة ، فنّبه سبحانه وتعالى أن الرزق رحمة دنيوية ، تعم المؤمن والكافر ، بخلاف الإمامة ، والتقدم في الدين ، فإنها سبب النعيم الأخروى ، ولا ينالها إلا أهل الإيمان والصلاح . الإشارة : دعاء الأنبياء عليهم السلام ، كما يصدق بالحس يصدق بالمعنى ، فيشمل دعاء الخليل القلوب التي هي بلد الإيمان ، والأرواح التي هي معدن الأسرار والإحسان ، فتكون آمنة من طوارق الشيطان ، ومحفوظة من الوقوف مع رؤية الأكوان ، آمنة من الأكدار ، محفوظة من رؤية الأغيار ، فيرزقها اللّه من ثمرة العلوم ، ويفتح لها من مخازن الفهوم ، من آمن منهم بالشريعة الظاهرة ، وجاهد نفسه في عمل الطريقة الباطنة ، حتى أشرقت عليه أنوار الحقيقة العيانية ، وأما من كفر بطريق الخصوص ، ووقف مع ظواهر النصوص ، فإنما يمتّع بعلم الرسوم الذي حدّ حلاوته اللسان ، ثم يلجأ إلى عذاب الحجاب ، وسوء الحساب ، ولم يفض إلى حلاوة الشهود والعيان ، التي يمتع بها الجنان حتى يفضى إلى نعيم الجنان ، فيتم النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم ، منحنا اللّه من ذلك حظا وافرا بمنّه وكرمه . ثم ذكر الحق تعالى كيفية بناء البيت ، وما كان شعارهما في حالة بنائه ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 127 ] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) قلت : ( القواعد ) جمع قاعدة ، وهي الأساس ، وكأنه مأخوذ من القعود بمعنى الثبات ، وأما القواعد من النساء ، فجمع قاعد ، بلا تاء ، لأنه وصف خاص بالنساء ، فلا يحتاج إلى تمييز التاء ، و ( ربنا ) منصوب على النداء محكى بحال محذوفة ، أي : حال كونهم قائلين ربنا . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله : واذكر وقت رفع إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ، وبنائهما له ، بعد أن درس بالطوفان ، وكان بناء آدم عليه السّلام لما أهبط إلى الأرض بإعلام الملائكة . كان إبراهيم عليه السّلام يبنى ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، فنسب البناء لهما لتعاونهما ، وقيل : كانا يبنيان كلّ في ناحية ، حال كونهما قائلين : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا عملنا هذا ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعائنا ، الْعَلِيمُ بنياتنا وسرائرنا . الإشارة : ينبغي للعبد أن يرفع قواعد إسلامه ، ويشيد دعائمه بتحقيق أركانه ، كإتقان الشهادتين بتحقيق معانيها ، وإتقان الصلاة بإتقان أركانها الظاهرة والباطنة ، وإتقان الزكاة بإخلاص أدائها ، وإتقان الصيام بتحصيل آدابه ، وإتقان الحج بتحصيل مناسكه بعد وجوبه ، ويرفع أيضا قواعد إيمانه بتحقيق أركانه ، وهي : الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره ، حلوه ومره ، اعتقادا وذوقا ، ويرفع أيضا قواعد إحسانه ،