ابن عجيبة
16
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فمنهم من توفرت هممهم على جمع المأثور في تفسيره من السنة النبوية ، وأقوال السلف الصالح ، من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، دون إعمال للرأي ، أو مع إعماله بضوابطه . ومنهم من صرف وكده في تفسيره إلى الجانب اللغوي ، فبرزت إلى الصعيد التفسيري مدارس التفسير اللغوي ، والنحوي ، والبلاغي ، والبياني بألوانها الشائعة المعطاءة . ومنهم من آثر المتجه الكلامي العقدي ، فحفل تفسيره بخوض عباب المباحث العقدية ، ونصرة مذهبه على المذاهب الأخرى ، في شتى القضايا الكلامية ، فكانت موسوعات تفسيرية في هذا الجانب . ومنهم من جنح في تفسيره إلى الجانب الفقهي المذهبى ، فكان اللون المعروف بتفاسير الأحكام ، وكل منها في مذهب بعينه ، وقد استخدمت فيه القواعد الأصولية . ومنهم من غلب عليه الطابع القصصى ، فتوسع في الروايات والآثار في معالجة قصص القرآن الكريم ، ما بين صحيح ودخيل . وهكذا اتخذ المشتغلون بالتفسير طرائق قددا ، ومنازع شتى ، ومناهج متنوعة ، ما بين تحليلي ، وموضوعي ، ومقارن ، وتاريخي ، واستقرائي . وكلها حقق للمكتبة التفسيرية ثراء حافلا في تناول كتاب اللّه الخاتم ، لم ينله ولم يدن منه في تاريخ الوجود توفر على كتاب سواه ، وذاك من لوازم حقيّته ومصداقيته وإعجازه . * بيد أنه - مع كل ذلك - لا يبلغ البناء التفسيري كماله وتمام مصداقيته في تحقيق وفاء معاني التنزيل بتفسير حقائق الوجود بأسرها إلا بإعمال المنهج الصوفي الإشارى في التفسير ، وإحراز نتاج ( علم الموهبة ) الذي اعتده أساطين علوم القرآن الكريم وتفسيره علما أساسيا ومصدرا رئيسا للمفسر ، ضمن العلوم الخمسة عشر التي يحتاج إليها المفسر ، حيث ذكره الإمام السيوطي - رضى اللّه تعالى عنه - في ختامها - بالإتقان - قائلا : ( الخامس عشر : علم الموهبة : وهو علم يورثه اللّه تعالى لمن عمل بما علم ، وإليه الإشارة بحديث « 1 » : « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » - ثم قال : قال ابن أبي الدنيا : وعلوم القرآن وما يستنبط منه : بحر لا ساحل له . قال : فهذه العلوم - التي كالآلة للمفسر - لا يكون مفسرا إلا بتحصيلها ، فمن فسر بدونها : كان مفسرا بالرأي المنهي عنه ، وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرا بالرأي المنهي عنه ) « 2 » . أجل : إن التفسير القرآني بدون الوقوف على الجانب الإشارى ، الذي يسبر باطن العبارة القرآنية بالكشف الذوقى العرفاني ، ليفتقد تلك الثمرة اليانعة ، والروعة الرائعة ، التي يمتن بها الحق تعالى على أوليائه العارفين ، الذين طهرت قلوبهم وأرواحهم ، بعد إماتة نفوسهم بسيف الجهاد الأكبر ، فعلمهم الحق من لدنه علما ، وأتاح لطلاب
--> ( 1 ) أخرجه الحافظ أبو نعيم ، عن سيدنا أنس رضى اللّه عنه ، وخرّجه عنه العجلوني في كشف الخفاء ص 365 . ( 2 ) الإمام الحافظ : سيدي جلال الدين السيوطي - رضى اللّه تعالى عنه : الإتقان في علوم القرآن . بتحقيق : محمد أبى الفضل إبراهيم : ( 4 / 188 ) ط / المشهد الحسيني .