ابن عجيبة
17
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
المعرفة وعشاق الحقيقة أن ينهلوا من رحيقه ، بالمثول في رحابهم ، واقتطاف الأزاهير من بساتينهم ، فيكتمل المفاد التفسيري بإحراز التعرف إلى الباطن القرآني - بالمفهوم السنّى لا الشيعي للباطن - إلى جانب معرفة الظاهر والحد والمطلع ، فتلك روافد العطاء المعرفى للقرآن الكريم ، كما بيّنها الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وسلّم بقوله : « إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا » « 1 » . فالمراد بالظهر : ما يظهر من معاني التنزيل لأهل العلم بالظاهر . والمراد بالباطن : ما يتضمنه من الأسرار التي اطلع اللّه تعالى عليها أرباب الحقائق . فالبطن روح الألفاظ ، أي : الكلام المعتلى على المدارك الآلية بجواهر الروح القدسية . والحد : مراد به : أن لكل حرف من القرآن منتهى فيما أراده اللّه تعالى من معناه . والحد : إما بين الظهر والبطن ، وإما بين البطن والمطلع ، فيرتقى به من البطن إليه عند إدراك الرابطة بين الصفة والاسم ، واستهلاك صفة العبد تحت تجليات صفة المتكلم جل شأنه . والمطّلع - بضم الميم وفتح الطاء المشددة واللام - : هو مكان الاطلاع من الكلام النفسي إلى الاسم المتكلم ، المشار إليه بقول الصادق : « لقد تجلى اللّه تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون » ومن ثمّ فالمطلع : ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام « 2 » . جعلنا اللّه تعالى من أهل ذاك المقام ، بجاه سيد الأنام ، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام . وهكذا نجد أن السنة النبوية الشريفة - بحديث : « إن للقرآن ظهرا وبطنا » ونظائره « 3 » - تعاضد القرآن العظيم في تأصيل التفسير الفيضي ، أو الإشارى في نحو قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 4 » وقوله سبحانه : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً « 5 » ، ففيهما الإشارة الثاقبة إلى التفسير الإشارى . ومن ثمّ روى عن باب مدينة العلم . سيدنا على كرم اللّه وجهه أنه قال : « لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من فاتحة الكتاب » وقال : « من فهم القرآن فسر به جمل العلم » « 6 » . ولتجسّد أصالة التفسير الصوفي الإشارى وحتمية وجوده لتجلية حقائق القرآن المستنبطة منه بفهم أهل اللّه تعالى : فقد اعتد أساطين علماء التنزيل به ، وضمنوه تفاسيرهم ، ووضعوا له التعريف العلمي بضوابطه التي تخرج عنه ما يلتبس به عند غير ذوى العلم ، مما يعرف بالتفسير الباطني الذي يقصر دلالة النص القرآني على تأويلات الباطنية من الشيعة المنحرفة ، فهذا لا علاقة له بالتفسير الصوفي على الحقيقة . من ثمّ عرف التفسير الصوفي الفيضي الإشارى بأنه : تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية ، تظهر لأهل السلوك ، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة « 7 » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن حبان ، في صحيحه ، عن سيدنا عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه ، وأخرجه عنه الحافظ العراقي في ( المغني عن حمل الأسفار . بتحقيق ما في الإحياء من الأخبار ) بحاشية الإحياء ( 1 / 88 ) . ( 2 ) انظر روح المعاني لشيخنا الإمام الآلوسي النقشبندي ، عليه رضوان اللّه تعالى ( 1 / 7 ) . ( 3 ) من نظائر هذا الحديث الشريف : ما أخرجه الديلمي عن سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنه مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : ( القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد ) . ( 4 ) سورة ( محمد ) صلى اللّه عليه وسلّم : الآية / 24 . ( 5 ) سورة النساء / 78 . ( 6 ) انظر إحياء علوم الدين ، للإمام الغزالي رضى اللّه عنه ، ( 1 / 260 ) ط / العثمانية . ( 7 ) انظر - مع الإتقان للإمام السيوطي 4 / 198 - : التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي 3 / 18 .