ابن عجيبة

137

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ربكم ، ورفعنا فوق رؤوسكم سيوف التخويف ، أو جبال التشويق ، وأوضحنا لكم سواء الطريق ، وقلنا لكم : خذوا ما آتيناكم من خرق العوائد ، واكتساب الفوائد ، بجد واجتهاد ، فأبيتم وعزّت عليكم نفوسكم ، وقلتم بلسان حالكم : سمعنا وعصينا ، وأشربت قلوبكم حب العاجلة ، وآثرتم الدنيا على الآخرة ، بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين . ومن جملة ما ادعاه اليهود اختصاصهم بالجنة ، فردّ اللّه عليهم بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 94 إلى 95 ] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) قلت : ( خالصة ) خبر كان ، و ( عند ) متعلق بكان على الأصح . يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد لبنى إسرائيل الذين ادعوا أن الجنة خاصة بهم : إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أي : في غيبه ، خالِصَةً لكم مِنْ دُونِ سائر النَّاسِ ، أو من دون المسلمين ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في اختصاصكم بها ، فإن العبد إذا تحقق أنه صائر إليها اشتاق إلى الموت الذي يوصل إليها ، كما قال عمار رضي اللّه عنه عند موته : الآن ألاقى الأحبّه * محمّدا وحزبه وقال حذيفة رضي اللّه عنه حين احتضر : ( جاء حبيب على فاقة ، لا أفلح من ندم ) . أي : على التمني ، أو على الدنيا . قال تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بسبب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والعصيان ، فما تمناه أحد منهم قط ، قال ابن عباس : ( لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار ) . وقال في الإحياء : ( دعا - عليه الصلاة والسلام - اليهود إلى تمنى الموت ، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه ، فحيل بينهم وبين النطق بذلك ) . وذكر غيره : أن بعضهم تمناه ، فما جاءت العشاء حتى أخذته الدّبحة في حلقه فمات « 1 » . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، فيه تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم ، ونفيه عمن هو لهم .

--> ( 1 ) لم أقف على ما يفيد ذلك : ولو وقع لنقل واشتهر لتوافر الدواعي إلى نقله ؛ لأنه أمر عظيم . بل على العكس ؛ فالأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا بلغت مبلغ التواتر ، كما يقول الفخر الرازي .