ابن عجيبة

138

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : في هذه الآية ميزان صحيح توزن به الأعمال والأحوال ويتميز به المدعون من الأبطال ، فكل عمل يهدمه الموت فهو مدخول ، وكل حال يهزمه الموت فهو معلول ، وكل من فرّ من الموت فهو في دعواه المحبة كذاب ، فمن ادعى الخصوصية على الناس يختبر بهذه الآية . والناس في حب البقاء في الدنيا على أربعة أقسام : رجل أحب البقاء في الدنيا لاغتنام لذّاته ونيل شهواته ، قد طرح أخراه ، وأكبّ على دنياه ، واتخذ إلهه هواه ، فأصمه ذلك وأعماه ، إن ذكر له الموت فرّ عنه وشرد ، وإن وعظ أنف وعند ، عمره ينقص ، وحرصه يزيد ، وجسمه يبلى ، وأمله جديد ، وحتفه قريب ، ومطلبه بعيد ، فهذا إن لم تكن له عناية أزلية ، وسابقة أولية فيمسك عليه الإيمان ، ويختم له بالإسلام ، وإلا فقد هلك . ورجل قد أزيل عن عينه قذاها ، وأبصر نفسه وهواها ، وزجرها ونهاها ، قد شمر ليتلافى ما فات ، ونظر فيما هو آت ، وتأهب لحلول الممات ، والانتقال إلى محلة الأموات ، ومع هذا فإنه يكره الموت أن يشاهد وقائعه ، أو يرى طلائعه ، وليس يكره الموت لذاته ، ولا لأنه هادم لذّاته ، لكنه يخاف أن يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد ، ويكره أن تطوى صحيفة عمله قبل بلوغ أمله ، وأن يبادر بأجله قبل صلاح خلله ، فهو يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار ، فهذا ما أفضل حياته : وأطيب مماته ! لا يدخل تحت قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » . ورجل آخر قد عرف اللّه تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته العليا ، وشهد ما شهد من كمال الربوبية ، وجمال حضرة الألوهية ، فملأت عينه وقلبه ، وأطاشت عقله ولبه ، فهو يحن إلى ذلك المشهد ، ويستعجل إنجاز ذلك الموعد ، قد علم أن الحياة الدنيوية حجاب بينه وبين محبوبه ، وستر مسدل بينه وبين مطلوبه ، فهذا من المحبين العشاق ، قد حن إلى الوصال والتلاق ، أحب لقاء اللّه فأحب اللّه لقاءه ، فما أحسن حياته ولقاءه ! ورجل آخر قد شهد ما شاهد ذلك ، وربما زاد على ما هنالك ، لكنه فوض الأمر إلى خالقه ، وسلم الأمر لبارئه ، فلم يرض إلا ما رضى له ، ولم يرد إلا ما أريد به ، وما اختار إلا ما حكم به فيه ، إن أبقاه في هذه الدار أبقاه ، وإن أخذه فهو بغيته ومناه ، فهذا من العارفين المقربين . جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه . آمين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 96 ] وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 )