ابن عجيبة

136

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بالمعجزات الواضحات : كالعصا واليد وفلق البحر ، ثم لم ينجح ذلك فيكم ، فاتخذتم العجل إلها تعبدونه من بعد ذهابه إلى الطور وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ في ذلك ، فأين دعواكم الإيمان بالتوراة ؟ الإشارة : ويقال لمن أقام على عيبه ، ورضى بمرض قلبه ، حتى لقى اللّه بقلب سقيم : لقد جاءتكم أوليائي بالآيات الواضحات ، ولو لم يكن إلا شفاء المرضى على أيديهم - أعنى مرضى القلوب - لكان كافيّا ، ثم اتخذتم الهوى إلهكم ، وعبدتم العاجلة بقلوبكم ، وعزّت عليكم نفوسكم وفلوسكم ، وأنتم ظالمون في الإقامة على مساوئكم وعيوبكم ، مع وجود الطبيب لمن طلب الشفاء ، وحسّن الظن وشهد الصفاء . ( كن طالبا تجد مرشدا ) وباللّه التوفيق . ثم عدّد الحق تعالى عليهم مساوئ تقدمت لأسلافهم تبطل دعوى إيمانهم ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 93 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) قلت : ( إن كنتم ) : شرط حذف جوابه ، أي : إن كنتم مؤمنين فبئس ما يأمركم به إيمانكم . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكروا أيضا إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ أن تعملوا بالتوراة فأبيتم وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ جبل الطُّورَ وقلنا : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ واجتهاد وَاسْمَعُوا ما أقول لكم فيه قالُوا بلسان حالهم : سَمِعْنا قولك و عَصَيْنا أمرك ، حيث لم يمتثلوا ، أو بلسان المقال لسوء أدبهم ، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ حب الْعِجْلَ حتى صبغ فيها ورسخ رسوخ الصبغ في الثوب ، لأنهم كانوا مجسّمة ، ولم يروا منظرا أعجب من العجل الذي صنعه السامري ، ( قل ) لهم يا محمد : بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ بالتوراة الذي ادعيتموه ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، لكن الإيمان لا يأمر بهذا فلستم مؤمنين . الإشارة : يقول الحق جل جلاله لمن ادعى كمال الإيمان ، وهو منكر على أهل الإحسان ، مع إقامته على عوائد نفسه ، وكونه محجوبا بشهود حسه : وإذ أخذنا ميثاقكم ، بأن تجاهدوا نفوسكم ، وتخرقوا عوائدكم لتدخلوا حضرة