ابن عجيبة
135
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من يشاء من عباده ، فباءوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب ، أو بغضب سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب . ( من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر ) كما قال الشاذلي رضي اللّه عنه ، ولا يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله . وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان ، وهما شجرة الذل والهوان . وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل اللّه من أسرار الحقيقة وأنوار الطريقة ، قالوا : نؤمن بما أنزل علينا من ظواهر الشريعة ، ويكفرون بما وراءه من أسرار الحقيقة ، ككشف أسرار الذات وأنوار الصفات ، وهو - أي : علم الحقيقة - الحق ؛ لأنه خالص لب الشريعة ، وللّه در صاحب المباحث الأصلية حيث قال : هل ظاهر الشرع وعلم الباطن * إلا كجسم فيه روح ساكن ؟ وقال أيضا : ما مثل المعقول والمنقول * إلا كدرّ زاخر مجهول حتى إذا أخرجه الغوّاص * لم يك للدرّ إذن خلاص وإنما خلاصه في الكشف * عن الغطاء حيث لا يستخفى فالصّدف الظاهر ثم الدرّ * معقوله والجهل ذاك البحر وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول : ( هل ثمّ شئ غير ما فهمناه من الكتاب والسنة ؟ ) ، كان يقول ذلك إذا قيل له : إن الشيخ الشاذلي فاض اليوم بعلوم وأسرار ، فلما التقى بالشيخ وأخذ بيده ، قال : ( أي واللّه . . ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تنهدم إلا الصوفية ) . ويقال لمن ادعى التمسك بالشريعة وأنكر ما وراءها : فلم تشتغل بجمع الدنيا واحتكارها وتخاف من الفقر ، وتهتم بأمر الرزق وتجزع من المصائب ، والشريعة تنادى عليك بذم ذلك كله إن كنت مؤمنا ؟ ! ! وباللّه التوفيق . ثم نعى عليهم عبادة العجل بعد ما رأوا من الآيات البينات ، إبطالا لدعواهم الإيمان بالتوراة ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 92 ] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 92 ) قلت : جملة : وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ حال من ( اتخذتم ) .