ابن عجيبة

125

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جلا جلاله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ تحريفا لكتاب اللّه ، و يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خوفا من أن تزول رئاستهم ، وينقطع عنهم ما كانوا يأخذونه من سفلتهم ، نزلت في أحبار اليهود لما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة ، خافوا أن تزول رئاستهم ، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإسلام ، وكانت صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في التوراة : « حسن الوجه ، حسن الشعر ، أكحل العينين ، ربعة » ، فغيروها ، وكتبوا : طوالا ، أزرق ، سبط الشعر ، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، ويأخذون من سفلتهم ، فهو وإن كان كثيرا في الحس فهو ، بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الأليم ، قليل . الإشارة : ينزجر بهذه الآية صنفان : أحدهما : علماء الأحكام ، إذا أفتوا بغير المشهور ، رغبة فيما يقبضون على الفتوى من الحطام الفاني ، وكذلك القضاة إذا حكموا بالهوى ، رغبة فيما يقبضون من الرشا ، أو يحصلونه من الجاه ، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ الثاني : أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين وغيرهم ، فإنهم إذا رأوا أحدا قام بولاية أو نسبة خافوا على زوال رئاستهم ، فيحتالون على الناس بالتعويق عن الدخول في طريقته ، فيكتبون في ذلك سفسطات وترهات ، ينفّرون الناس عن اتباع الحق ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ . ثم ذكر الحق تعالى بعض أمانيهم الفارغة ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 80 إلى 82 ] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 82 ) قلت : ( بلى ) : حرف جواب كنعم ، والفرق بينهما أن ( بلى ) لا يقع إلا في جواب النفي ويصير إثباتا ، تقول : ألم يأت زيد ؟ فتقول بلى . أي : أتى ، ومثله : قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ فقال تعالى : ( بلى ) أي تمسكم ، بخلاف نعم ؛ فإنها لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا ، فإذا قيل : ألم يأت زيد ؟ فقلت : نعم ، أي لم يأت ، وإذا قيل : هل أتى زيد فقلت : نعم ، أي أتى . وقد نظم ذلك بعضهم فقال :