ابن عجيبة
126
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
« نعم » لتقرير الذي قبلها * إثباتا أو نفيا ، كذا قرّروا « بلى » جواب النفي لكنه * يصير إثباتا ، كذا حرّروا يقول الحق جل جلاله : وَقالُوا أي : بنو إسرائيل في أمانيهم الباطلة : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً أربعين يوما مقدار عبادة العجل ، ثم يخلفنا فيها المسلمون . قال الحق جل جلاله : قُلْ لهم يا محمد : أَتَّخَذْتُمْ بذلك عهدا عند اللّه فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ - بَلى تمسكم النار وتخلدون فيها ؛ لأن مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً أي : كفرا ومات عليه ، وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ أي : أحدقت به ، واستولت عليه ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ - وَالَّذِينَ آمَنُوا بما نزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَعَمِلُوا بشريعته المطهرة الأعمال الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ هذه عادته تعالى ؛ إذا ذكر فريقا شفع بضده ترغيبا وترهيبا وباللّه التوفيق . الإشارة : اعلم أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء ، ويطلقون عنان أنفسهم في المعاصي والشهوات ، ويقولون : سمعنا من سيدي فلان يقول : من رآنا لا تمسه النار . وهذا غلط وغرور ، وقد قال - عليه الصلاة والسّلام - لابنته : « يا فاطمة بنت محمّد ، لا أغنى عنك من اللّه شيئا ، اشترى نفسك من اللّه » . وقال للذي قال : ادع اللّه أن أكون رفيقك في الجنة فقال له : « أعنّى على نفسك بكثرة السّجود » . نعم ، هذه المقالة : إن صدرت من ولى متمكن مع اللّه فهي حق ، لكن بشرط العمل ممن رآه بالمأمورات وترك المحرمات ، فإن المأمول من فضل اللّه ، ببركة أوليائه ، أن يتقبل اللّه منه أحسن ما عمل ، ويتجاوز عن سيئاته ، فإن الأولياء المتمكنين اتخذوا عند اللّه عهدا فلن يخلف اللّه عهده ؛ وهو أن من تعلق بهم وتمسك بالشريعة شفعوا فيه . والغالب على من صحب أولياء اللّه المتمكنين - الحفظ وعدم الإصرار ، فمن كان كذلك لا تمسه النار ، وفي الحديث : « إذا أحبّ اللّه عبدا لم يضرّه ذنب » ، يعنى : يلهم التوبة سريعا ، كما قيل لأهل بدر : « افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم » . ولا يتخذ عند اللّه العهد إلا أهل الفناء والبقاء ، لأنهم باللّه فيما يقولون ، فليس لهم عن أنفسهم إخبار ، ولا مع غير اللّه قرار ، وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا عهد له ؛ لأنه بنفسه ، فمن تعلق بمثل هذا فهو على خطر ، وباللّه التوفيق .