ابن عجيبة

103

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فإن منعك من ذلك حب الرئاسة والجاه ، فاستعن على ذلك بالصبر والصلاة ، فإن الصبر عنوان الظفر ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . فأدمن قرع الباب حتى تدخل مع الأحباب ، فالإدمان على عبادة الصلاة أمره كبير ، إلا من خلص إلى مناجاة العلى الكبير ، وتحقق بملاقاة الشهود والعيان ، ورجع إلى مولاه في كل أوان ، فإن الصلاة حينئذ تكون له من قرة العين . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ولما أمرهم بالأصول والفروع ، ذكّرهم بالنعم ، وخوفهم بالوعيد على عدم شكرها ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 47 إلى 48 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) قلت : العدل بالفتح : الفداء ، وبالكسر : الحمل ، وجملة لا تَجْزِي : صفة ليوم ، والعائد محذوف ، أي : لا تجزى فيه . يقول الحق جل جلاله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ على آبائكم بالهداية وبعث الرسل ، وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ : أهل زمانكم ، فاذكروا هذه النعم واشكروني عليها ؛ بأن تتبعوا هذا النبي الجليل ، الذي تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل . وخافوا يَوْماً لا تقضى فيه نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً بحيث لا تجلب لها نفعا ، ولا تدفع عنها ضررا ، ولا تقبل مِنْها شَفاعَةٌ إن وقعت الشفاعة فيها ، ولا يؤخذ منها فداء ، إن أرادت الفداء عنها ، ولا تنتصر في دفع العذاب ، إن أرادت الانتصار بعشيرتها . فانتفى عنها وجوه الامتناع من العذاب بأي وجه أمكن ؛ فإن الإنسان إذا أخذ للنكال احتال على نفسه إما بالشفاعة ، أو بالفداء إن لم تقبل الشفاعة فيه ، أو بالانتصار بأقاربه ، والآية في الكفار ، فلا حجة لمن ينفى الشفاعة في عصاة المؤمنين ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد يتوجّه العتاب إلى أهل الرئاسة والجاه ، من العلماء والصالحين ، وكل من خصّ بشرف أو خصوصية ، فيقول لهم الحق تعالى : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بالعلم أو السيادة أو الصلاح ، وبأن فضلتكم على أهل زمانكم ، وخصصتكم من أبناء جنسكم ؛ فقد روى : « أنّ العبد يحاسب على جاهه كما يحاسب على ماله » . فمن صرفه في طاعة اللّه ، وتواضع لعباد اللّه ، وسعى في حوائجهم ، وأبلغ الجهد في قضاء مآربهم ، كان ذلك شكرا لنعمة الجاه ؛ فقد روى في الحديث : « من سعى في حاجة أخيه المسلم ، قضيت أو لم تقض ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، وكتب له براءتان : براءة من النار وبراءة من النفاق » .