ابن عجيبة

104

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولا يأخذ على ذلك أجرا ولا جعلا ؛ فإن ذلك سحت وربا ، ومن تكبر به وطغى ، أو أخذ على ذلك أجرا ، قيل له يوم القيامة : قد استوفيت أجرك فلا حظ لك عندنا ، فلا تنفعه شفاعة ، ولا يقبل منه فداء ، ولا يقدر أن ينتصر من موارد الهوان والردى ، ففي بعض الأخبار : يقول اللّه تعالى للفقراء الذين يعظمون في الدنيا لأجل فقرهم : ألم أرخص لكم الأسعار ؟ ألم أوسع لكم المجالس ؟ ألم أعطّف عليكم عبادي ؟ فقد أخذتم أجركم في الدنيا . أو كما قال . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكّر الحق تعالى بني إسرائيل بنعمة أخرى ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 49 ] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) قلت : ( إذ ) : معمول لا ذكروا ، و ( فرعون ) : اسم لكل من ملك القبط ، كما أن قيصر اسم لمن ملك الروم ، وكسرى اسم لمن ملك الفرس ، واسم ( فرعون ) الذي كان في زمن موسى عليه السّلام : « مصعب بن ريان » ، وقيل : ابنه الوليد . وسام يسوم : طلب وبغى ، يقال : سامه خسفا إذا أولاه ظلما ، وجملة ( يسومونكم ) : حال من ( آل فرعون ) ، وجملة ( يذبحون ) : بيان لها . وسوء العذاب : أفظعه وأقبحه . يقول الحق جل جلاله : يا بني إسرائيل اذكروا نعمة أخرى أنعمت بها على أسلافكم ، وأنتم عالمون بها ، وذلك حين أنجيناكم من عذاب فرعون ورهطه ، يولونكم أقبح العذاب وأشنعه ، كانوا يستعبدون رجالكم ونساءكم في مشاق الخدمة والمهنة ، ولمّا أخبره الكهان أنه سيخرج منكم ولد يخرّب ملكه ، جعل يذبح ذكوركم ويترك نساءكم ، وفي ذلكم محنة مِنْ رَبِّكُمْ وابتلاء عَظِيمٌ ، أو في ذلك الإنجاء اختبار من ربكم عظيم ، فاذكروا هذه النعمة ، وتحصنوا بالإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم من محنة أخرى ، ولا ينفع حذر من قدر ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً . وباللّه التوفيق . الإشارة : لكل زمان فراعين وجبابرة يقطعون الناس عن الانقطاع إلى اللّه والدخول إلى حضرة اللّه ، ( ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ، يقول الحق جل جلاله للذين تخلصوا منهم : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم بها ؛ حيث أنجيتكم من فراعين زمنكم ، يسومونكم سوء العذاب ؛ وهو البقاء في غم الحجاب ، والانقطاع عن الأحباب ، يقتلون ما ربيتم من اليقين في قلوبكم والمعرفة في أسراركم ، ويستحيون