محمد ثناء الله المظهري

200

التفسير المظهرى

كان دوام الذكر أهم وأسنى وانما الفكر طريقا إليها وصف الله سبحانه أولى الألباب أولا بدوام الذكر وبعد ذلك بالتفكر الموصل إلى علم هو كالظل له حيث قال الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ يعنى يديمون الذكر في جميع الأحوال وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ - وأيضا في تقديم الذكر على الفكر تنبيه بان العقل غير مستقل بإفادة الاحكام الحقة ما لم يستضئ بنور الذكر والهداية من الله سبحانه رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا على إرادة القول اى يتفكرون قائلين ذلك - والباطل ضد الحق كذا في القاموس والحق قد يطلق على موجود متأصل الوجود لا يحتاج في تحققه ووجوده ولا في شئ من الأشياء إلى غيره وهو الله سبحانه وقد يطلق على موجود في الخارج بلا نحت الوهم والخيال وان كان مقتبسا تحققه من الوجود الحق - وقد يطلق على موجود يشتمل وجوده على حكم ومصالح لا يكون عبثا ضائعا من غير حكمة ذاهبا بلا فائدة يترتب عليه - والباطل ضد الحق على المعاني كلها فباعتبار المعنى الأول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أحسن القول قول لبيد كل شئ ما خلا الله باطل وجاز اعتبار المعنى الثاني في البيت يعنى كل معبود ما خلا الله باطل الحقيقة له منحوت للوهم والخيال وباعتبار المعنى الثالث اطلق الباطل على الشيطان قال الله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ والباطل هاهنا ان كان بالمعنى الثاني فمعنى الآية ما قال أهل الحق أساسا للاستدلال على الصانع ( خلافا للسوفسطائية ) ان حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق - وان كان بالمعنى الثالث فالمعنى ما خلقت الخلق عبثا بل لحكمة عظيمة دليلا على معرفتك باعثا على شكرك وطاعتك - وهذا إشارة إلى السماوات والأرض وتذكيره بإرادة المتفكر فيه أو لأنهما في معنى المخلوق أو إلى الخلق على أنه أريد به المخلوق من السماوات والأرض أو أريد به التخليق وجاز ان يراد به التفكر في خلق كل جزء من اجزائها فهذا إشارة إلى هذا الجزء - وباطلا منصوب على الحالية من هذا وجاز ان يكون باطلا بمعنى هازلا حالا من فاعل خلقت فعلى هذا قوله تعالى سُبْحانَكَ مؤكد للحال يعنى انه تعالى منزه عن الهزل لكونه رذيلة وعلى التأويل الأول اعتراض فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) للاخلال بالنظر فيه والقيام بما يقتضيه - والفاء تدل على أن خلق السماوات والأرض للاستدلال والشكر والطاعة يقتضى ثواب المطيع وعذاب العاصي غالبا