اسماعيل بن محمد القونوي

511

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المعقود عليها للعزائم واستعارة النفث للحل في إبطال العزائم بالحيل استعارتان مصرحتان والأولى أبلغ مرضه لأنه مع كونه مخالفا لسبب النزول خلاف الظاهر من العبارة . قوله : ( وإفرادها بالتعريف لأن كل نفاثة شريرة ) وإفرادها أي امتياز النفاثات من بين ما أضيف إليه الشر بالتعريف وإفرادها بالجمع أيضا لأن كل نفاثة شريرة فالتعريف للاستغراق قولهم استغراق المفرد أشمل ليس بمعتبر « 1 » في المحلى باللام الاستغراقي . قوله : ( بخلاف كل غاسق وحاسد ) ولهذا لم يعرفا باللام لأنه لو عرفا به لأفاد أن كل فاسق شرير وكذا كل حاسد كذلك وليس كذلك أما الثاني فظاهر والتقيد بالظرف يدل عليه ويرد عليه أن اعتبار الاستغراق في ذلك المقيد صحيح وأما الغاسق فلأن الغاسق قد يكون خيرا كما قيل : وكم لظلام الليل عندي مزيد غير أن المؤونة تكذب . وقد عرفت أن قوله تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [ النبأ : 10 ] يدل على أن ظلام الليل من جملة النعم فلا جرم أن الغاسق ليس كله شرا أوليس بشر بالنسبة إلى كل شخص « 2 » بل خير بالنسبة إلى شخص كما أنه شر بالنسبة إلى شخص آخر فلا مساغ للعموم في الغاسق والحاسد في نفس الأمر مع أن النكرة في الإثبات لا تعم إلا بدليل يوجب العموم كما صرح به في التلويح ولا دليل على العموم هنا بل الدليل على خلافه وأما النفث المذكور فشر كله بالنسبة إلى كل شخص ولا يضره دفع بعض شخص شره بالرقى لأنه لا ينافي كونه شرا في نفسه . قوله : وإفرادها بالتعريف يريد بيان وجه تعريف النفاثات دون غيرها فالوجه أن المقام مقام الاستغراق لأن كل نفاثة شريرة بخلاف كل غاسق وكل حاسد لجواز أن يكون غسق من ليل سببا لإصابة خير كثير وكذا يجوز أن يكون حسد شخص لكمال آخر سببا إلى نيل مثل ذلك الكمال وفي الكشاف وكذلك كل حاسد لا يضر ورب حسد محمود وهو الحسد في الخيرات ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام « لا حسد إلا في اثنتين » وقال أبو تمام : وما حاسد في الكرمات بحاسد * وقال إن العلى حسن في مثلها الحسد إلى هنا كلامه هذا على أن يطلق الحسد على الغبطة وهو شائع في العرف قوله لا حسد إلا في اثنتين روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا حسد إلا على اثنتين رجل اتاه اللّه القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار فسمعه جاره فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ورجل آتاه اللّه مالا فهو ينفقه في حقه فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل » وفي النهاية الحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمته فيتمنى أن يزول عنه ويكون له والغبطة أن يتمنى أن يكون له ولا يتمنى زوالها عنه قال عليه الصلاة والسّلام « المؤمن يغبط والمنافق يحسد » .

--> ( 1 ) أي ليس بمسلم كما فصل في المطول . ( 2 ) وهذا الاعتبار أولى بالقبول إذ الشر ليس بشر بالنسبة إلى كل شخص كما أن الخير كذلك .