اسماعيل بن محمد القونوي
512
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة الفلق ( 113 ) : آية 5 ] وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ( 5 ) قوله : ( إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه ) أوله لئلا يكون إذا حسد مع قوله : حاسِدٍ [ الفلق : 5 ] خاليا عن الفائدة قوله وعمل بمقتضاه الخ كالتفسير لقوله إذا أظهر حسده إذ الحسد أمر قلبي لا يظهر بنفسه بل ظهوره بالعمل بمقتضاه فعلم منه أن الاستعاذة مِنْ شَرِّ حاسِدٍ [ الفلق : 5 ] الاستعاذة مما يصيبه من المحن بسبب الحسد وكذا الاستعاذة مِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ [ الفلق : 4 ] الاستعاذة فيما يصيب « 1 » اللّه به من الشر عند النفث وكذا شر الغاسق . قوله : ( فإنه لا يعود ضرره منه قبل ذلك إلى المحسود بل يخص به لاغتمامه بسروره ) قال ابن المعتز : اصبر على حسد المحسود فإن صبر قاتله * فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله ولم يلتفت إلى ما ذكره صاحب الكشاف من قوله رب حسد محمود وهو الحسد في الخيرات ومنه قوله عليه السّلام « لا حسد إلا في اثنين » الحديث لأنه ليس بحسد بل في صورة الحسد كما صرح به شراح الحديث بل هو غبطة محمودة وهي تمني ما لغيره مع عدم محبة زواله عنه والحسد تمني زوال نعمة المحسود وهو مذموم . قوله : ( وتخصيصه لأنه العمدة في إضرار الإنسان بل الحيوان غيره ) أي تخصيص ما ذكر من الغاسق والنفاثات والحاسد مع أنه مندرج تحت ما خلق لأنها من عالم الخلق لأنه العمدة الخ لأن الظلام يكسر فيه المضار ويعسر الدفع كما مر وهذا شامل للإنسان وغيره من حيث لا يشعر وكذا الحسد ضرر عام للحيوان أيضا إذ الحيوان إذا رأى حيوانا سواء كان من جنسه أو لا سبقه لشيء من المأكول وغيره عارضه وربما قتله ومنشأ هذا هو الحسد فعلم أن الحسد لا يختص بذوي العقول بل أكثر الأخلاق الذميمة موجودة في سائر الحيوان مثل الأخلاق الحميدة والسحر يؤثر في الحيوان أيضا كإصابة العين ولما كان شر الثلاثة عاما للإنسان وغيره جعل ضمير تخصيصه لهؤلاء الثلاثة بتأويل ما ذكر فلا يحسن جعل ضمير للحسد فقط وإن صح في الجملة . قوله : ( ويجوز أن يراد بالغاسق ما يخلو عن النور وما يضاهيه ) أشار بقوله ويجوز قوله : إذا اظهر حسده يعني لا يعود ضرر الحسد إلى المحسود إلا إذا أظهر حسده عاملا بمقتضاه ولذا قيد الاستعاذة من شره بوقت حسده وأما إذا لم يظهر ولم يعمل بمقتضى حسده لا يتجاوز ضرر حسده إلى غيره بل يخص به نفسه لتضرره بالاغتمام بسرور غيره تمت السورة الحمد للّه على الافتتاح والاختتام ورسوله أفضل التحيات والسّلام اللهم بحبل توفيقك اعتصم ومن فيض نورك استفيض فاشرع .
--> ( 1 ) كذا في الكشاف وهذا أولى الوجوه التي ذكرها الزمخشري .