اسماعيل بن محمد القونوي
423
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة التكاثر ( 102 ) : آية 8 ] ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ( 8 ) قوله : ( الذي ألهاكم والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه ) خصه به لأنه المناسب لما قبله وارتباط هذا القول بما قبله بملاحظة ذلك وللإشارة إلى ذلك قال والخطاب مخصوص الخ إذ الخطاب بما قبله مخصوص بكل من ألهاه الخ وكذا الخطاب في قوله : لَتُسْئَلُنَّ [ التكاثر : 8 ] مخصوص بهم وثم للتراخي في الاخبار إن أريد بالثانية الرؤية إذا ورودها إذ السؤال قبل دخول النار فلا يرد إشكال الإمام بأن هذا التفسير ليس بحسن لأنه قال : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ [ التكاثر : 8 ] والسؤال قبل دخول النار . قوله : ( والنعيم مخصوص بما يشغله عن السعي في الآخرة للقرينة ) إذ السؤال سؤال عتاب للقرينة الدالة على ذلك إذ الكلام في بيان من ألهاه التكاثر عما يعنيه والمراد بالنعيم نعيم من ألهاه عكوف همته على اللهو واللعب بقرينة ذكره عقيب ذكر إلهائه عن تحصيل مرضاة ربه وأما من تنعم بأنواع النعم ليتقوى بها على أحمز العبادات وكان قائما بشكره حسب طاقته فهو ليس بمذموم . قوله : ( والنصوص الكثيرة كقوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ [ الأعراف : 32 ] كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [ المؤمنون : 51 ] ) والنصوص عطف على القرينة أي وللنصوص الكثيرة الدالة على جواز التنعم بالنعم من غير شغله عما يعنيه كقوله فسل من حرم زينة اللّه فإنه يدل على أن أحدا لم يقدر تحريم زينة اللّه وإن التزين بالزينة حسبما ساعده الشرع ممدوح والأكل بالطيبات مباح إذا لم يتجاوز الحد وكل ذلك تنعم بالنعم مع أنه ليس بمذموم . علم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال وعين اليقين ما كان بطريق الكشوف والنوال وحق اليقين ما كان بتحقق الانفصال عن ثوب الصلصال بورود الوصال وقال الجنيد حق اليقين ما يتحقق العبد بذلك وهو أن شاهد الغيوب كما يشاهد المرئيات مشاهدة عيان . قوله : أي الذي ألهاكم يريد به أن اللام في النعيم للعهد والمعهود هو النعيم الذي ألهاهم عما يهمهم من أمر دينهم . قوله : والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه يعني المخاطب بقوله عز وجل : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ [ التكاثر : 8 ] هم الذين خوطبوا بقوله : أَلْهاكُمُ [ التكاثر : 1 ] و زُرْتُمُ [ التكاثر : 2 ] والنعيم هو النعيم الشاغل لهم عما يعينهم للقرينة لا التي لم تشغل صاحبها عما يعنيه قال صاحب الكشاف النعيم الذي يسأل عنه الإنسان ويعاتب عليه هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو والطرب لا يعبأ بالعلم والعمل ولا يحمل نفسه مشاقهما فأما من تمتع بنعمة اللّه وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده وتقوى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل وكان ناهضا بالشكر فهو من ذاك بمعزل وإليه أشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يروى أنه أكل هو وأصحابه تمرا وشربوا عليه ماء فقال « الحمد للّه أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين » القرينة وهي الخطاب الأول في بدء السورة والنصوص الكثيرة الواردة في إباحة تناول الطيبات .