اسماعيل بن محمد القونوي

386

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

خبر جزاؤهم المفيد لكمال نفاستهم وفخامتهم وأنه لا يبلغ كنهه علم أحد سواه تعالى وهو استعارة تمثيلية شبه الهيئة المأخوذة من جزائهم وكمال نفاستهم وانحصار علم كنهه به تعالى بالهيئة المنتزعة من أمر نفيس محفوظ عند الملك بحيث لا يصل يد غيره فذكر لفظ المشبه به وأريد المشبه وجمع جنات إما لانقسام الآحاد إلى الآحاد أو لكل مؤمن جنات متكثرة وتقييدها إضافة أي إلى عدن والمراد بالعدن هنا الإقامة وجنات عدن ليست علما هنا وادعاء علميتها في قوله تعالى : جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ [ مريم : 61 ] الآية لكونها موصوفة بالمعرفة فالمراد بالوصف النعت النحوي وعدن هنا ليس اسما مخصوصا من درجات الجنة بل عام لجميع الدرجات من الفردوس والمأوى وعليون كيف لا وجنة عدن ليس مأوى لجميع المؤمنين تجري من تحتها « 1 » الأنهار « 2 » أي من تحت أشجارها كما تراها جارية تحت الأشجار النابتة على شواطئها وعن مسروق أنهار الجنة تجري من غير أخدود كذا قاله المص في البقرة وقيل إن أريد بالجنات الأشجار الملتفة الأغصان فالجريان ظاهر وإن أريد بها مجموع الأرض وما عليها فباعتبار الجزء الظاهر وفي عرف القرآن المراد بها دار الثواب وهو البستان المشتمل للأشجار والقصور العالية والحور العين وغير ذلك فالترديد المذكور ليس بمناسب هنا وضمير يزداد لما قوله نعيما لأن الماء الجاري أشرف ما يتلذذ به . قوله : ( وتأكيد الخلود بالتأبيد ) من جملة المبالغة الخالي عنها عديله وأما نفس الخلود فمشترك بينهما وجه التأكيد هو أن الخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم فأكد بالتأبيد ليفيد أن المراد بالخلود الدوام فالمراد بالخلود في العديل الدوام لتأكيده بالتأبيد في موضع آخر وللإجماع على ذلك وإرادة المكث الطويل غير صحيح . قوله : ( استئناف بما يكون لهم زيادة على جزائهم ) أي استئناف نحو وإن أمكن جعله استئنافا بيانيا سواء كان إخبارا أو دعاء وفي كل منهما مبالغة أما الأول فلإفادته وقوع الرضاء أو التعبير بالماضي لتحققه والمراد الرضاء في الآخرة لقوله زيادة على جزائهم ويحتمل العموم في الدنيا والآخرة وإن خص بالآخرة فيعلم رضاءه في الدنيا باقتضاء النص قوله : استئناف بما يكون لهم زيادة على جزائهم قال الراغب رضي العبد عن اللّه أن لا يكره ما يجري به قضاؤه ورضي اللّه عن العبد هو أن يراه مؤتمرا لأمره ومنتهيا عن نهيه قال تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ البينة : 8 ] والرضوان الرضى الكثير ولما كان أعظم الرضى رضي اللّه تعالى جعل الرضوان في القرآن بما كان من اللّه تعالى قال : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً [ المائدة : 2 ] وقال الجنيد الرضى يكون على قدر قوة العلم والرسوخ في المعرفة والرضى حال

--> ( 1 ) واللام في الأنهار إما للجنس أو للعهد والمعهود هو المذكور في قوله تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد : 15 ] الآية . ( 2 ) أي تجري من تحتها ماء الأنهار أو الأنهار مجاز من الماء أو النسبة .