اسماعيل بن محمد القونوي

387

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وأما الدعاء فلأنه طلب من ذاته أن يرضى عنهم وفيه من المبالغة الحسنة ما لا يخفى وأما عطف رضوا عنه حينئذ فباعتبار أصله أو عند من جوز عطف الإخبار على الإنشاء أو حال بتقدير قد أو إنشاء أيضا بمعنى الأمر أو الواو استئناف أي وما بالهم حين رضاء اللّه تعالى عنهم فأجيب بأنهم رضوا عنه ومعنى الرضاء عنهم تبوئتهم في أعلى المقام مع ترك السخط قال تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] لأنه المبدأ لكل كرامة والنيل إلى المقصود والفوز باللقاء ورضوان العبد عنه تعالى كونهم مستغرقين في نعمة مجازا إذ الرضاء ترك الاعتراض وذلك مستلزم له ورضاء اللّه تعالى مجاز عن قبول طاعتهم واكرامهم بأنواع الكرمات . قوله : ( لأنه بلغهم أقصى أمانيهم ) إشارة إلى ما ذكرناه من أن رضاء العبد مجاز عن كونهم مستغرقين في النعم . قوله : ( أي المذكور من الجزاء والرضوان فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قرأ سورة لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقيلا ) من الجزاء والرضوان توجيه لإفراد اسم الإشارة مع أن المشار إليه متعدد والرضوان زيادة على الجزاء ولذا عطف على الجزاء واللام في لِمَنْ خَشِيَ [ البينة : 8 ] إما للاختصاص أو للاستحقاق وهذا فذلكة لما سبق وإجمال بعد تفصيل تنبيها على أن المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الذين يخشون ربهم فإن الإيمان والعمل الصالح مسبب عن الخشية ولذا قال فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير والزاجر عن كل شر الملاك بكسر الميم أصل الأمر كأنه ملك الأمر ولولا الخشية لم تفعل خيرا قط ولم تترك المناهي والشرور أصلا وكل من عرف اللّه تعالى لا محالة يخشاه قال اللّه تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] والمراد بالعلماء من كان عالما به تعالى وصفاته وأفعاله إذ شرط الخشية معرفة المخشي ولو لم يحمل قوله تعالى : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [ البينة : 8 ] « 1 » على الفذلكة لكان منافيا لما قبله وما رواه من الحديث موضوع الحمد للّه على توفيق اتمام ما يتعلق بسورة لم يكن والصلاة والسّلام على أفضل خير البرية وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا مع شر البرية . تمت بلطفه بين الصلاتين من يوم الأحد في شهر ربيع الآخر سنة 1193 . يصحب البعد في الدنيا والآخرة ليس محله محل الخوف والرجاء والصبر والاشغاف وسائر الأحوال التي تزول عن العبد في الآخرة بل العبد يتنعم في الجنة بالرضى ويسأل اللّه تعالى حتى يقول لهم رضائي أحلكم وقال محمد بن الفضل الروح والراحة في الرضى واليقين والرضى باب اللّه الأعظم ومحل استرواح العابدين تمت السورة الحمد للّه على الافتتاح والاختتام وعلى الرسول أفضل الصلاة والسّلام اللهم معتصما بحبل توفيقك أشرع .

--> ( 1 ) واسم الرب هنا أوقع إذ الخشية من آثار التربية وأيضا التربية سبب الخشية .