اسماعيل بن محمد القونوي

382

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الإخبار بوقوع الانفكاك فلا يرام له نكتة لوقوعه على مقتضى الظاهر نعم يطلب النكتة في عدم عكسه وهي أنهم والمشركون باعتبار اتفاقهم على الرأي المذكور في حكم فريق واحد وبعد « 1 » التنبيه على ذلك أشير إلى الفرق المذكور وهو أن أهل الكتاب أشد شناعة من المشركين قوله : إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 4 ] استثناء مفرغ من أعم الأوقات بقرينة قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ [ البينة : 4 ] وكلمة من صلة فالمعنى وما تفرقوا في وقت من الأوقات إلا بعد ما جاءتهم البينة والتعبير بالبينة للإشعار بغاية وضوحه أي الحجة الناطقة بالحق وفيه تشنيع أيضا وهذا أبلغ من قوله تعالى : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ [ آل عمران : 19 ] الآية والمراد بالاختلاف هذا التفرق وفي اختيار الماضي هنا تنبيه على أن قوله : حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 1 ] بمعنى الماضي عبر بالمضارع لحكاية الحال الماضية الدالة على الاستغراب . قوله تعالى : [ سورة البينة ( 98 ) : آية 5 ] وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( 5 ) قوله : ( أي في كتبهم ) الجمع يراد به ما فوق الواحد أو المراد كتابهم مع الكتب المتقدمة لاتحادهم في التوحيد . قوله : ( بما فيها ) صلة الأمر أشار به إلى أن المراد بالأمر الأمر التكليفي فيعم النهي إذ النهي عن الشيء أمر بضده في الأكثر لكن المذكور في سياق الاستثناء الأمور الثلاثة فالتعميم إلى النهي مشكل فالأولى أنه اكتفى بالأمر لكونه أمس بما قبله ولم يتعرض للنهي لظهوره لأن قوله : وَما أُمِرُوا [ البينة : 5 ] الخ حال تجري مجرى التعليل ومفيدة لغاية قبح ما صنعوا والاستثناء من عموم العلل مفرغ أي والحال أنهم ما أمروا بما أمر والشيء من العلل إلا لأجل عبادة اللّه تعالى لا سيما لأجل إقامة الصلاة ولايتاء الزكاة إن كان لهم غناء وكون اللام بمعنى الباء على أنه صلة الأمر تكلف ولذا لم يلتفت إليه المصنف لكن المأمور به العبادة مطلقا والصلاة والزكاة وجعلها علة للأمر غير ظاهر وكون العبادة علة للخلق في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ظاهر وما نقل عن الماتريدي من أن هذه الآية علم فيها معنى قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] أي لأمرهم بالعبادة فيعلم المطيع من العاصي لا يعرف وجهه لو سلم كون العبادة المطلقة علة للمأمور به أو للأمر به فلا يسلم كون الصلاة والزكاة علة للأمر بها لافضائه إلى اتحاد العلة والمعلل فتأمل « 2 » في توجيهه . قوله : ( أي لا يشركون به ) تفسير للإخلاص المراد هنا وهو عدم الإشراك شركا جليا

--> ( 1 ) وفي مثل هذا لا يناسب العكس . ( 2 ) وسببية العبادة للأمر بها في الذهن وسببية الأمر بها للعبادة في الخارج ولذا قال فتأمل .