اسماعيل بن محمد القونوي
309
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ولا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق ) ولا يلزم ذلك صليها أي خلودها إذ المفهوم مجرد الدخول ولا يفهم منه الخلود والتأبيد وهذا بالنوع لا بكل شخص شخص وهذا المفهوم مذهب الشافعي مذهب المصنف وعند علمائنا الحنفية لا مفهوم فالأولى أن يقال إن حال عصاة الموحدين مسكوت عنها كما في أكثر المواضع وقد نقل الفاضل المحشي عن أبي حيان في قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الحاقة : 19 ] الآية أن الإنسان انقسم هذين القسمين ولم يتعرض للعصاة الذين يدخلهم اللّه تعالى النار . قوله : ( يصرفه في مصارف الخير ) واجبا أو مندوبا والمضارع للاستمرار فهذه الصفة صفة مادحة والتخصيص بها لأنها أشق على النفس من حيث إن المال شقيق الروح فمن بذل نفسه لوجه اللّه ثبت بعض نفسه على الإيمان ومن بذل روحه أيضا ثبت كل النفس على الإيمان فبذل المال كبذل الروح ولا ريب في أشقيتها على النفس ويحصل بالإنفاق تزكية النفس عن البخل أشنع الرذائل وحب المال الذي هو رأس كل خطيئة . قوله : ( لقوله : يَتَزَكَّى [ الليل : 18 ] فإنه بدل من يؤتى ) ويتزكى من التزكي وهو قوله : فلا يخالف الحصر السابق يعني أن ظاهر قوله تعالى : وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [ الليل : 17 ] يخالف الحصر في قوله : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى [ الليل : 15 ] لأن ذلك يدل على أن لا يدخل النار غير الكافر وهذا على أن بعض المؤمنين يدخلها فأخذ رحمه اللّه في تفسير لا يَصْلاها [ الليل : 15 ] معنى اللزوم فيعتبر ذلك في مقابلة وهو الصلي الذي تضمنه وسيتجنبها الأتقى بحسب المفهوم وبه ارتفع المخالفة بين مفهوم هذه الآية ومنطوق تلك فكأنه قيل لا يصلاها على وجه اللزوم إلا الكافر ويدخلها المؤمن العاصي لا على وجه اللزوم لأنه يخرج عنها آخرا أو المعنى يلزم دخول الكافر ولا يلزم دخول المؤمن العاصي لجواز العفو عنه على ما هو مذهب أهل السنة ولعل مراد القاضي هذا الوجه لقوله ولا يلزم ذلك صليها فإن لفظ ذلك المشار به من اتقى الشرك دون المعصية مفعول لا يلزم وصليها فاعله أي لا يلزم صلى تلك النار ذلك التقي العاصي وقريب من ذلك أن يكون المعنى لا يصليها على وجه الخلود ويدخلها المؤمن العاصي لا على وجه الخلود وصاحب الكشاف لفق بين الكلامين بحمل الحصر على الحصر الادعائي مبالغة حيث قال الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل الأشقى فجعل مختصا بالصلى كأن النار لم تخلق إلا له وقيل الأتقى وجعل مختصا بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له . قوله : لقوله : يَتَزَكَّى [ الليل : 18 ] يعني أن ذكر يَتَزَكَّى [ الليل : 18 ] بعد قوله : يُؤْتِي مالَهُ [ الليل : 18 ] بدلا منه أو حالا من فاعله يدل على أن المراد من إيتاء المال صرفه في سبل الخير لأن التزكي وهو التطهر من دنس الذنب أو التصدق لا يحصل ولا يعتد به إلا بالاعطاء على وجه الاخلاص فإنه المثمر للثواب والمال الذي يقصد ببذله الرياء والسمعة لا خير فيه ولا يثمر الثواب بل يستحق صاحبه العقاب قال صاحب الكشاف يتزكى من الزكاء أي يطلب أن يكون عند اللّه زاكيا لا يريد به رياء ولا سمعة أو يتفعل من الزكاة وكذا يدل عليه قوله وما لأحد عنده من نعمة تجري إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى .