اسماعيل بن محمد القونوي
294
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( والتمكين بالإتيان بهما ) أي جعله ممكنا قادرا عليهما بخلق اللّه تعالى قدرة عند إرادة العبد فعله كسبا عند أهل الحق وخلقا عند المعتزلة لكن هذا التمكين مع النهي عن الأول ومع الأمر بالثاني فعلم من ذلك البيان أنه لا دليل فيه للمعتزلة كما توهمه الزمخشري بل منشأ التوهم حمل النظم الكريم على معنى يوافق هواه لأن كل إناء يترشح بما فيه فمعنى الإتيان بهما خلقهما عندهم فيكون فيه دليل لهم وكسبهما عندنا فيكون دليلا لنا لا لهم بل عليهم واستدلال الزمخشري بجعله فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما واه جدا لأن الإسناد إلى الكاسب حقيقة فإسناد الفعل كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا يكاد أن يضبط لكسب العبد بالقدرة التي خلقها اللّه تعالى حين قصد العبد الفعل لا لخلق العبد ذلك الفعل وقد عرفت أن هذا بناء على ممسكهم الفاسد ورأيهم الكاسد وقد بين في علم الكلام أدلتهم على ذلك مع الرد البليغ والاستدلال بمثل هذه الأفعال على مذهبهم مصادرة ومكابرة لأنه أول المسألة بعينها . قوله تعالى : [ سورة الشمس ( 91 ) : آية 9 ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) قوله : ( أنماها بالعلم والعمل جواب القسم ) أنماها إنماء معنويا وإعلاء باهرا بالعلم أي بالعلم الذي يحتاج إليه العمل ولذا قدمه أو بالعلم الذي لا يقصد به العمل وهو العلم المتعلق بكيفية الاعتقاد وهو الموافق لبيان المصنف والأولى كون المراد العلم مطلقا جعل التزكية بمعنى التنمية « 1 » دون التطهر لأنها تناسب دسيها لأن معناه نقصها وأيضا التطهير ليس على ظاهره بل من قبيل ضيق فم البئر وقيل ولو جعل بمعنى التطهير من دنس الهيولى صح أيضا وهذا كما ترى إذ الهيولى التي أثبتها الحكماء باطلة وغيرها ليس بمعلوم ومعنى التطهير بمعنى ضيق فم البئر صحيح . قوله : ( وحذف اللام للطول وكأنه لما أراد به الحث على تكميل النفس والمبالغة فيه ) للطول أي لطول جملة الجواب المقتضي للتخفيف لأن الماضي إذا كان جوابا يقترن بقد واللام فحذفت اللام دون قد إذ المقام يقتضي التأكيد بحرف التحقيق ولعل لهذا قال الزمخشري وأما قَدْ أَفْلَحَ [ الشمس : 9 ] فليس من جواب القسم في شيء ولم يتعرض لما في المدارك من أنه قال الزجاج طول الكلام صار عوضا عن اللام لأنه يوجب الحذف لتعذر اجتماع العوض والمعوض عنه ولم ينقل عن الأئمة وجوب الحذف معه فحينئذ يكون قوله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ [ الشعراء : 141 ] الخ استطرادا لمناسبته للجواب حيث كانوا من جملة مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 10 ] أو كانوا خاسرين خلاف الفلاح فيكون المناسبة قوله : جواب القسم أخذه من كلام الزجاج حيث قال الجواب قد أفلح أي لقد أفلح حذفت اللام لطول الكلام .
--> ( 1 ) فإن أصل الزكاة النماء يقال زكى الزرع إذا علا وارتفع .