اسماعيل بن محمد القونوي

264

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 23 ] وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( 23 ) قوله : ( كقوله تعالى : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ [ النازعات : 36 ] ) أي جهنم أشار إلى أن مجيئها مجاز لأنها حركة وانتقال مختص بذوي العقول والإدراك إذا كان باختيار بدون مدخلية الغير والعلاقة السببية أو اللزوم فإن المجيئة سبب للظهور . قوله : ( وفي الحديث يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ) نبه به على أنها محمول على الحقيقة غايته أن مجيئتها بالجر قوله يجرونها إشارة إليه فبالنظر إلى نفسها لا يتصور المجيئة فيحمل على المجاز وبالنظر إلى المحرك يتصور الحقيقة فتكون قسرية ولما كان الحديث المذكور من أخبار الآحاد جوز الاحتمال الأول بل رجحه ليوافق قوله تعالى : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ [ النازعات : 36 ] وإن أمكن أن يقال وهذا الإظهار بالمجيئة على أن الخبر اللطيف يحتمل أن يكون تمثيلا « 1 » لإظهارها بما يظهر بهذه الكيفية والمشبه به لا يكون متحققا دائما قال المصنف في قوله تعالى : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [ البقرة : 261 ] الآية وهذا تمثيل لا يقتضي وقوعه والتخصيص بهذا العدد مفوض علمه إلى الملك الخبير أو كناية عن الكثرة قوله يجرونها استئناف بياني أو حال أي يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش لها تغيظ وزفير وقد رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه كذا في الإرشاد وفي الكشاف فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع والأولى أن ذلك بقدرة اللّه تعالى فقط . قوله : ( بدل من إذا دكت والعامل فيهما يتذكر الإنسان ) بدل من إذا دكت بدل الكل والفائدة فيه كمال التقرر وفرط الإيضاح ونبه به على أن إذا للظرفية دون الشرطية ولم يتعرض لقوله : يَوْمَئِذٍ [ الفجر : 23 ] في قوله : وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [ الفجر : 23 ] فهو لا يكون بدلا بل هو ظرف لجيء لزيادة التقرير مع التهويل . قوله : ( أي يتذكر معاصيه ) وكذا الجن يتذكر معاصيه فهو من الذكر ضد النسيان ومعنى التذكر الإحضار بالبال بعد نسيان الأفعال قدمه لأنه حقيقة . قوله : ( أو يتعظ لأنه يعلم قبحها فيندم عليها ) يتعظ مجاز إذ التذكر يستلزم الاتعاظ وهذا المعنى مناسبته لقوله : وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى [ الفجر : 23 ] أظهر من الأول . قوله : ( أي منفعة الذكرى ) على الاحتمالين فإن التذكر ليس بتذكر حقيقة وفي نفس قوله : أي منفعة الذكرى لئلا يناقض ما قبله يعني لا بد من تقدير مضاف إذ لو لاه لخالف ما قبله فإن ما قبله يثبت الذكرى وهذا ينفيه ويجوز أن يكون من قبيل وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [ الأنفال : 17 ] والمعنى يوجد من الإنسان يومئذ صورة التذكر ولكن ذلك التذكر في حكم العدم لفقد نفعه .

--> ( 1 ) وفي كلام الإمام إشارة إليه حيث قال لا ينفك عن مكانها الخ .