اسماعيل بن محمد القونوي
263
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الصورة حرف العطف هل هو محذوف أم لا فإذا لم يعتبر حذف العطف فأين يعتبر نصب الثاني فالأولى اعتبار حذفه وإن كان ذلك قليلا تأمل . قوله تعالى : [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 22 ] وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) قوله : ( أي ظهرت آيات قدرته وآثار قهره مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته وسياسته ) مثل ذلك أي وجاء ربك استعارة تمثيلية شبه الهيئة المأخوذة من قدرة اللّه تعالى وظهور الآيات الدالة على قدرته الكاملة وقهره تعالى وآثار قهره بالهيئة المنتزعة عن مجيء السلطان القاهر « 1 » وحضوره في موضع وما يظهر من آثار هيبته وسياسته من له جناية فذكر ما هو مستعمل في الهيئة المشبه بها وأريد الهيئة المشبهة توضيحا للمعقول بالمحسوس ولم يذكر ظهور آلائه المتوافرة لأن المقام مقام القهر لقوله : وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [ الفجر : 23 ] الآية ولذا ذكر في المشبه آثار الهيبة ولم يذكر آثار لطفه وفرط كرمه مع أن ذلك متحقق أيضا عند حضور السلطان وقد مر في قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ [ الفرقان : 23 ] الآية ما يفيد هنا ولم يتعرض لاحتمال تقدير المضاف أي جاء أمر ربك لأن فيما اختاره مبالغة . قوله : ( وَالْمَلَكُ [ الفجر : 22 ] ) أي وجاء الملك وهذا على حقيقته لا تمثيل فيه ولا تمحل في عطفه على ربك واعتبار جاء فيه لأنه لا مجاز في جاء المذكور بل المجاز والاستعارة في الهيئة وقد حقق في علم البيان أن المفردات في الاستعارة التمثيلية باقية على حالها حقيقة أو مجاز كلها أو بعضها وفي تقدير المضاف فالأمر أوضح . قوله : ( صفا صفا بحسب منازلهم ومراتبهم ) صفا صفا والكلام فيه مثله في دَكًّا دَكًّا [ الفجر : 21 ] أشار إليه بقوله بحسب الخ وهو حال أي مصطفين وهو الظاهر أو ذوي صفوف أو نفس الصف للمبالغة أي ينزل يومئذ ملائكة كل سماء وملائكة الكرسي والعرش إذ اللام في وَالْمَلَكُ [ الفجر : 22 ] للاستغراق واختير المفرد لأن استغراقه أشمل فيصطفون صفا بعد صف أشار إليه بقوله بحسب منازلهم الخ محدقين بالمكلفين من الجن والإنس برمتهم سعداء أو أشقياء لتهديد الأشقياء وتنفيس السعداء وملائكة العرش الصف الأول والكرسي الصف الثاني ثم وثم والظاهر أن ملائكة الأرض الصف الأخير لكنه لم يتعرض لهم الزمخشري فقال ينزل ملائكة كل سماء الخ لأن المجيئة تناسبهم والقول بأنه لم يتناولهم بعيد وأشار بقوله ينزل إلى أن جاء لتحقق الوقوع . قوله : مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته فإنه إذا حضر ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه .
--> ( 1 ) ومع وزرائه وعساكره .