اسماعيل بن محمد القونوي

232

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 6 ] لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 ) قوله : ( لَيْسَ لَهُمْ [ الغاشية : 6 ] ) الآية شروع في بيان طعامهم اثر بيان شرابهم والكلام لم يوجد فيه ما يقتضي الترتيب فلا ينافي كون اكلهم مقدما على السقي وإنما قدم في الذكر هنا لرعاية الفاصلة . قوله : ( يبيس الشبرق « 1 » وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ) يبيس فعيل من اليبس ضد الرطب قوله ما دام رطبا فإذا يبس تركه لصعوبة الأكل ومع ذلك أكله أصحاب الجحيم لأنهم لكمال جوعهم اضطروا إلى أكله . قوله : ( وقيل شجرة نارية تشبه الضريع ) فيكون ضريعا استعارة مصرحة كما نبه عليه بقوله تشبه الضريع مرضه لأن الحمل على ظاهره ممكن وأن الآية ناطقة بأن الشجرة النارية هي شجرة الزقوم لا شجرة تشبه الضريع وأيضا الضريع ناري بل شجرة نارية خلقها اللّه تعالى في النار فلا يظهر مقابلة هذا القول بما ذكر في الضرع وروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما برفعه الضريع شيء في النار يشبه الشوك أمر من صبر وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار وهذه الرواية تؤيد ما قلنا وأن الظاهر أن الضريع مستعار على أي معنى كان إذ ليس المراد الضريع الذي كان في الدنيا ولو قيل إنه شوك كالذي في الدنيا فهو اعتراف بالتشبيه « 2 » ولم يلتفت إلى كون الضريع بمعنى المضرع أي جعل أكله متضرعا لفرط مرارته وحرارته لأنه غير منقول من الثقات لكن يدفع الإشكال الذي سيذكر مع جوابه . قوله : ( ولعله طعام هؤلاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم ) ولعله طعام إشارة إلى جواب إشكال بأن هذا بحسب الظاهر مناف لقوله تعالى : وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [ الحاقة : 36 ] إذ الحصران متنافيان فأجاب أولا بتغاير الأكلين فإن لجهنم سبعة أبواب لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [ الحجر : 44 ] فالضريع طعام لفرقة منهم فقط ليس له طعام غيره وغسلين طعام لطائفة أخرى منهم فلا منافاة بين الحصرين . قوله : يبيس الشبرق أي الضريع نبت يابس مسمى بالشبرق وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا فإذا يبس تحامته وهو سم قاتل . قوله : ولعله طعام هؤلاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم هذا توجيه وتلفيق بين الحصرين المتنافيين بحسب الظاهر أعني قوله : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [ الغاشية : 6 ] وقوله : فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ * وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [ الحاقة : 35 ، 36 ] بينهما وبين قوله : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [ الدخان : 43 ، 44 ] وحاصل جوابه أن العذاب ألوان والمعذبون على طبقات فمنهم أكلة الضريع ومنهم أكلة الغسلين ومنهم أكلة الزقوم لكل باب منهم جزء مقسوم .

--> ( 1 ) الشبرق بكسر الشين وسكون الباء وكسر الراء . ( 2 ) ولو قيل إن الضريع على حقيقته وأن النار لم تحرقه بقدرة اللّه تعالى لم يبعد لكن الرواية تؤيد ما ذكرناه كما عرفته .