اسماعيل بن محمد القونوي

201

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( اتبعه توصية الإنسان بالنظر في مبدئه ليعلم صحة إعادته فلا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته ) اتبعه الخ تنبيه على ذكر الفاء التفريعية إذ قوله تعالى : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [ الطارق : 4 ] يكتب كل ما يصدر عنها يوجب أن يتفكر الإنسان في مبدأ فطرته بالنظر الثاقب ليعلم صحة إعادته بالقياس الجلي كما قال تعالى : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] الآية وقد فصل هنا فيعمل ما ينفعه ويترك ما يضره فلا يملي من الأفعال أي فلا يوقع الكتابة إلا ما يسره حين الحساب ونشر الكتاب وهذا هو المراد في عاقبته والقول بأن ضمير المفعول راجع إلى الحافظ لأنه قيل إنه يسوء السيئات ضعيف . قوله تعالى : [ سورة الطارق ( 86 ) : آية 6 ] خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) قوله : ( جواب الاستفهام ) المراد بالجواب صورة الجواب إذ الاستفهام ليس على حقيقته فكذا الجواب فلا يضره تعلقه بقوله : فَلْيَنْظُرِ [ الطارق : 5 ] الخ ولا حاجة إلى ما قيل من أنه على هذا غير متعلق به كأنه قيل فلينظر إلى نفسه فسئل مم خلق . قوله : ( وماء دافق بمعنى ذي دفق وهو صب فيه دفع ) أي دافق من صيغ النسب كلابن وتأمر وذو دفق يصدق على الفاعل وعلى المفعول والمراد المفعول به أي ماء مدفوق كقوله تعالى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] أي ذات رضاء مع أنها مرضية كما صرح به المصنف هناك قوله وهو أي الدفق صب الخ إشارة إلى ما ذكر من أن الدافق صاحب الماء لا الماء فإنه مدفوق وقيل هو مجاز في الإسناد فإن ما هو له صاحب الماء فأسند إلى الماء مجاز الملابسة بين الفاعل والمفعول ومثل هذا استعارة مكنية وتخييلية عند السكاكي كما فصل في أوائل التلخيص أو مجاز لغوي بجعل اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول كما كان عكسه في قوله : حِجاباً مَسْتُوراً [ الإسراء : 45 ] أي ساترا وما اختاره المصنف أحسن وهو قول خليل وسيبويه قوله فيه دفع أي دفع من صلب الرجل أو لتتابع قطرانه . قوله : ( والمراد الممتزج من الماءين في الرحم لقوله : يَخْرُجُ [ الطارق : 7 ] ) الخ في الرحم متعلق بالممتزج ولما صار الماءان ماء واحدا بالامتزاج قال تعالى : مِنْ ماءٍ دافِقٍ [ الطارق : 6 ] والوصف بالدافق للتغليب وكذا قوله يخرج إذ مرجعه ماء دافق ولقوله تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] الآية فلا جرم أن الإنسان بل سائر الحيوان خلق من ماءين لا من ماء واحد ولفظة بين مضاف إلى المتعدد والمتعدد هنا الصلب والترائب فإن كل واحد من الماء وإن خرج من محل واحد لا من محل متعدد لكن الممتزج الذي خلق الإنسان منه يخرج من محل متعدد وهو صلب الرجل وترائب المرأة قوله : بمعنى ذي دفق وإنما فسره بمعنى النسب أي بإضافة الذات إلى الصفة لأن الماء ليس بدافق بل هو مدفوق فهو مثل فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] فإنه في تأويل عيشة ذات رضى أو من باب الإسناد المجازي وصفت العيشة بصفة صاحبها وكذا ماء دافق يأول بأحد هذين التأويلين .