اسماعيل بن محمد القونوي

187

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

شيء من العيب بالمحال والمعلق بالمحال محال فعدم العيب متحقق جزما قوله تعالى : بِاللَّهِ الْعَزِيزِ [ البروج : 8 ] الآية يؤيد ما ذكرناه من أنه من عنده تعالى من غير نقل كلامهم لأنهم لم يعترفوا بهذه المذكورات من الصفات العلى غايته أسند وما نقموا إليهم فهو منشأ الاشتباه لكن المراد بيانه تعالى مع قطع النظر عن حكاية قولهم ولعل هذا مراد العلامة الزمخشري ومن تبعه وقيل في توجيهه بأن الإيمان بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [ البروج : 8 ] الآية لا يمكن أن يكون عيبا عند أحد فلا بد لصحة الاستثناء تنزيله منزلة العيب أي لو كان منهم لكان هذا انتهى وتعييب « 1 » الكفرة بالإيمان باللّه تعالى وإنكاره مشهور شائع بالفعل « 2 » فضلا عن الإمكان كما مر في الحكاية حيث غضب الملك حيث قال فأبرأه ربي وقال فرعون خطابا لموسى عليه السّلام لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ الشعراء : 29 ] وقيل في قوله استثناء على طريقة قوله ولا عيب الخ في أن ما أنكروه ليس بمنكر في الواقع وغير حقيق بالإنكار كما أن ما جعله الشاعر عيبا ليس بعيب في الواقع ولا ينبغي أن يعد عيبا ولا يضر ذلك كون الاستثناء ادعائيا بخلاف ما في النظم فإنهم أنكروا الإيمان حقيقة انتهى وما ثبت في فن البديع أن مثل هذا الكلام تأكيد المدح بما يشبه الذم وهذا لا يحصل إلا بالنظر إلى الاعتقاد لا في نفس الأمر إذ التأكيد أمر اختياري صادر لغرض وهو هنا أن ما ليس بعيب في اعتقاده جعله عيبا بطريق الفرض حتى يتوسل به إلى نفي العيب بالمرة ولا ينظر فيه إلى نفس الأمر والتفصي عن هذا الإشكال بما ذكرناه كأن الكفرة لم يعب الإيمان أو عيب لكن الدليل القاطع قائم على قلعه عن أصله فنزل منزلة العدم فاللّه سبحانه وتعالى أراد تأكيد المدح فقال : وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ [ البروج : 8 ] الآية فحينئذ إسناد نقموا إليهم لكونهم في صدد ذلك كما قيل في قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [ البقرة : 210 ] الآية من أن الكفار لا ينتظرون العذاب لكنهم لتعاطي سببه شبهوا بالمنتظرين ذلك ولهذه الدقيقة اختار صاحب الكشاف ما اختاره وتبعه المحققون والمعترضون لم يطلعوا على ذلك التحقيق الذي من أنوار التوفيق قوله فلول جمع فل بفتح الفاء وهو الكسر في حد السيف أو مصدر كعقود بمعنى الكسر والقراع المضاربة بآلات الحرب والكتائب بالمثناة جمع كتيبة وهي الجيش العظيم والشاعر وهو النابغة يمدح بها عمرو بن الحارث غالبا تفسير عزيزا لأنه من يعز من الباب الثاني لا من عز يعز من الباب الرابع فإن معناه لا مثل له وله معان أخر قوله يخشى عقابه لقدرته على الأخذ والبطش فاحذروا عن كسب سببه وهذا هو المراد بالوصف بالعزيز وكذا الكلام في الحميد .

--> ( 1 ) قوله تعييب الكفرة الخ والجواب أن ذلك التعييب منهم عنادا واستكبارا أو الكلام مع أصحاب الأخدود وهم أهل الكتاب العارفون باللّه العزيز الحميد بل مطلق الكافرين سوى الدهرية عارفون باللّه تعالى قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [ الزخرف : 9 ] فيحسن الجواب المذكور أيضا . ( 2 ) وأن آخر كلامه لا يلائم أوله .