اسماعيل بن محمد القونوي
151
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يحصل هذا الحجاب في المؤمنين وهذا متفق عليه بيننا وبين المعتزلة وإن كان معنى الحجاب مختلفا فيه وهذا ليس من قبيل مفهوم المخالفة حتى يقال إنه لا مفهوم عند الحنفية فكيف يعدون هذا من أدلة الرؤية لما ذكرناه من أنه ذكر في معرض الوعيد للكفار ولو كان عاما لما كان للتخصيص فائدة وأيضا الحكم وهو الحجاب بمعنى عدم الرؤية منتف بانتفاء علته وهي الكفر مع أن الأصل الرؤية . قوله : ( ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا لإهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول على الملوك أو قدر مضافا مثل رحمة ربهم أو قرب ربهم ) ومن أنكر الرؤية وهم المعتزلة جعله تمثيلا لإهانتهم أي جعله استعارة تمثيلية لما عرفت من أن الحجاب يستلزم الإهانة ولما استحال عندهم الرؤية حملوه على الإهانة أصل الكلام الفلان محجوب عن السلطان يراد به أنه مهان ومردود مجازا أو كناية ثم جعل استعارة تمثيلية بأن شبه الهيئة المأخوذة من الكفار وكفرهم وعدم لطفهم إياهم بالهيئة المأخوذة من السلطان وإهانة شخص وردهم عن دخوله عليه فذكر اللفظ المستعمل في الهيئة المشبه بها وأريد الهيئة المشبهة والدليل من الطرفين وجوابه مذكور في موضعه أو قدر مضاف الخ فحينئذ لا تمثيل بخلاف المؤمنين فإنهم مكرمون عند اللّه تعالى بأنواع الكرامات ورضوان من اللّه أعظم الإحسانات . قوله تعالى : [ سورة المطففين ( 83 ) : آية 16 ] ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ( 16 ) قوله : ( ليدخلون « 1 » النار ويصلونها ) هذا ثابت باقتضاء النص ويصلونها ويقاسون حرها ويعذبون بها أشار به إلى أن لصالوا اسم الفاعل بمعنى المستقبل وثم للتراخي الرتبي فإن دخول النار مع مقاساة حرها أشد من الحرمان عن الرؤية والإهانة وإن كان الدخول مقدما في الوجود ولو قيل إنهم منعوا عن الرؤية في العرصات ثم ادخلوا النار لا يفيد إذ الحرمان ثابت بعد دخولهم النار أيضا . قوله : ( ثم يقال ) توبيخا وتقريعا على إنكارهم البعث فالمراد بهذا الإخبار لازمه وهو التشنيع ومعنى تكذبون تنكرون إذ التكذيب وهو نسبة الكذب لا يتصور في مثله إذ المراد لازمه مجازا . قوله : ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا أراد به المعتزلة قال صاحب الكشاف وكونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم واهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم تم كلامه أي مثلت حالهم في اهانتهم عند اللّه وأنزل القحط عليهم بحال من يحجب عند بعض السلاطين والآية عند أهل السنة على حقيقتها وهي من الأدلة الدالة على ثبوت الرؤية لأنه لما خص اللّه الكفار بالحجاب دل على أنه مرفوع عن الأبرار ولا معنى لرفع الحجاب إلا الإدراك .
--> ( 1 ) من الدخول لأنه بيان لَصالُوا الْجَحِيمِ فلا يحتمل أن يكون من الادخال فضلا عن التعيين فيه .