اسماعيل بن محمد القونوي
126
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 27 ] إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) قوله : ( تذكير لمن يعلم ) أي ذكر بمعنى تذكير بقرينة قوله : لِلْعالَمِينَ [ التكوير : 27 ] وهو مجاز إذ الذكر يستلزم التذكير والمعنى ما القرآن إلا تذكير لمن يعلم ما هو الحق والصواب أو كل شيء من الأحكام فحذف المفعول للتعميم مع الاختصار ولما نفى كونه قول شيطان أثبت أنه من عند اللّه تعالى نزل على الرسول عليه السّلام تبيانا لكل شيء وهذا معنى كونه تذكيرا وعلى تقدير كونه لمن يعلم فالمراد لمن شأنه أن يعلم وحمل العالمين على من يعلم لأن صيغة العقلاء تناسبه فلا تغليب لكن هذا بناء على أن كل واحد من الناس عالم من حيث إنه مشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والاعراض كذا صرح به المصنف في سورة الفاتحة والقصر إضافي وقصر الموصوف على الصفة . قوله تعالى : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 28 ] لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) قوله : ( بتحري الحق وملازمة الصواب ) فيه نوع إشارة إلى أن المفعول المحذوف للتذكير الحق والصواب كلاهما بمعنى واحد والأول في التصديقات والثاني في التصورات والبدل بدل بعض من الكل والرابطة ضمير منكم لأنه في موضع منهم لكنه التفت إلى الخطاب تشريفا لهم لأنهم أولو الألباب . قوله : ( وإبداله من العالمين لأنهم المنتفعون بالتذكير ) وإلا فهو تذكير لجميع العقلاء ولذا جاء وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [ القلم : 52 ] بلا إبدال . قوله تعالى : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 29 ] وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) قوله : ( الاستقامة يا من يشاءها ) الاستقامة مفعوله المقدر بقرينة ما قبله قوله يا من يشاؤها جعل الخطاب للشائين من بين العالمين لكون من يشاءها بدلا من العالمين والكلام فيهم والمراد بالنفي والاستثناء تحقيق للحق وبيان أن مشيئة العبد ليست بمستقلة في حصول الفعل بل إنما يوجد الفعل بمشيئة اللّه تعالى أيضا هذا مسلك إمامنا أبي المنصور الماتريدي والمعنى عند المصنف ما ذكره أي وما تشاؤون الاستقامة في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء اللّه مشيئتكم فالعبد لا يشاء الاستقامة إلا أن يشاء اللّه مشيئة فيكون مشيئة العبد من مشيئة اللّه تعالى وخلقها فيلزم أن يكون العبد مجبورا في أفعاله وهم يسمون الجبر المتوسط وهو في الحقيقة جبر محض « 1 » ونحن معاشر الإمام أبي المنصور نقول مشيئة العبد وإرادته الجزئية أمر اعتباري قوله : وإبداله من العالمين أي إبدال لمن شاء منكم من العالمين لأنهم هم المنتفعون بالتذكير والوعظ تمت السورة الحمد للّه على آلائه والصلاة على محمد وآله اللهم مستفيضا من إفاضتك اشرع وأقول .
--> ( 1 ) ومن نظر في كلام المصنف في تفسير قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ [ القصص : 68 ] ويختار يظهر كونه جبرا محضا .