اسماعيل بن محمد القونوي

127

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

متحقق في نفس الأمر ونفس الأمر ظرف لتحققها لا لوجودها فلا يكون من اللّه تعالى بل من العبد فلا يلزم أن يكون العبد خالقا لها لما عرفته من أنها أمر اعتباري لكن لا اعتباري محض كأنياب أغوال بل هي متحققة في نفس الأمر كالنسبة بين القضايا ولذا قيل إنها نسبة خارجية بمعنى أن الخارج ظرف لتحققها لا لوجودها كما صرح به النحرير في المطول وكذا الإرادة الجزئية فالمعنى على مذهبنا وَما تَشاؤُنَ [ التكوير : 29 ] الاستقامة مشيئة يترتب عليه خلق الاستقامة في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئة اللّه تعالى تلك الاستقامة فمفعول أن يشاء اللّه الاستقامة ولا استقامة إلا في هذا التقدير إذ مسلك الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو مذهب المصنف لا يخلو عن وسوسة ودغدغة ومن أراد الاطلاع التام على هذا المرام فيلزم مطالعة المقدمات الأربع لصاحب التوضيح في التوضيح مع شرحنا عليها فإن طالب الحق لا يستغني عن الرجوع إليها وكذا الكلام في كل فعل اختياري إذ لا قائل بالفصل وبهذا البيان اندفع ما قيل من أن المشيئة لو كانت من العبد لزم التسلسل لما عرفت من أنها أمر اعتباري غير موجودة في الخارج والتسلسل في الأمور الاعتبارية غير واقع أو غير محال والقول بأنه لم يجعل الخطاب غير الثنائي مع أن قوله فأين تذهبون يرشده ضعيف جدا لأنه خطاب للكفار والخطاب في تشاؤون لمن شاء الاستقامة وشتان ما بينهما وكلمة ما وإن كانت لنفي الحال لكنها قد تستعمل في النفي المطلق وهو المراد هنا بقرينة جعل المشيئة الاستقبالية ظرفا للمشيئة المذكورة بعد إلا لأن إلا يبطل النفي على أن كون مشيئة اللّه تعالى مستقبلة بالنسبة إلى مشيئة العبد فلا يضره كونها حالا أيضا . قوله : ( إلا وقت أن يشاء اللّه مشيئتكم ) اختار مسلك الزمخشري وابن جني في جواز نيابة المصدر المأول من أن والفعل عن الظرف وإن منعه أكثر النحاة لكن جوازه منقول عن الكوفيين وكفى بقول الزمخشري وابن جني دليلا لنا إذ كثير من القواعد على الخلاف . قوله : ( فله الفضل والحق عليكم باستقامتكم ) فله الفاء للتفريع على ما قبله أي إذا كان الأمر كذلك فله تعالى فقط الفضل والإحسان والحق عليكم أيها الشاؤون إذ لو لم يشأ اللّه تعالى استقامتكم لم تستقيموا فإن مشيئة اللّه تعالى وإن كانت متحققة بسبب مشيئة العبد لكنها لا تفيد ما لم يشاء اللّه تعالى والمراد بالاستقامة محافظة الحدود والشكر على الموجود والصبر على المقصود وهذا خلاصة ما ذكره المصنف في سورة فصلت . قوله : ( مالك الخلق كله ) أي الرب بمعنى المالك وهو أحد معانيه كما بينه في أوائل سورة الفاتحة حمل اللام على الاستغراق ولذا قال كله والمراد بهم عام للعقلاء وغيرهم تغليبا بخلاف ما سبق فإنه يراد به العقلاء فقط لما عرفته توفية للمقام حقه في الموضعين . قوله : ( وعن النبي عليه السّلام من قرأ سورة التكوير أعاذه اللّه من أن يفضحه حين تنشر صحيفته ) حديث موضوع . الحمد للّه الذي أنعمنا بإتمام ما يتعلق بسورة التكوير . والصلاة والسّلام على أفضل من أوتي حسن التدبير . وعلى آله وأصحابه الذين نوروا بأحسن التنوير . في وقت الضحوة الكبرى من يوم الأحد في شهر ذي القعدة في سنة 1192 .