اسماعيل بن محمد القونوي
29
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وصيغة المضي لأنه للمثل المشبه به فكما ذاقوا وبال أمرهم كذلك يذوق اليهود سوء عاقبة كفرهم قوله في الدنيا بقرينة ما بعده وصيغة المضي أيضا قرينة عليه . قوله : ( ولهم عذاب أليم في الآخرة ) مؤلم بفتح اللام اختير الجملة الاسمية في عذاب الآخرة لدوامه أبد الآبدين . قوله تعالى : [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 16 ] كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) قوله : ( مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان ) أشار إلى أن كمثل الشيطان خبر لمبتدأ محذوف مبتدأه مثل المنافقين وهذا على طريق اللف والنشر المرتب لأن اليهود والمنافقين جمع في قوله لا يقاتلونكم جميعا على ما نبه عليه المصنف ثم ذكر أولا ما لليهود من كون مثلهم وحالهم الغريبة كمثل الذين من قبلهم الخ وذكر ما للمنافقين ثانيا من كون مثلهم كمثل الشيطان اعتمادا على فهم السامع إذ الثاني هو المناسب للمنافقين لأنهم لم يقاتلوا بالفعل بل شأنهم الإغراء والتحريض على القتال كالشيطان قوله في إغراء اليهود الخ إشارة إليه وهذا يؤيد ما ذكرناه من أن لا يقاتلونكم فيه جمع بين الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز وفي تشبيه مثلهم بمثل الشيطان لطافة شريفة لأنهم شياطين الإنس والشيطان شيطان الجن . قوله : ( إغراؤه على الكفر إغراء الآمر المأمور ) ففيه استعارة تبعية أو تمثيلية وهي الظاهر شبه تزيينه وبعثه بالأمر فاستعير الأمر لإغرائه على الشر والكفر . قوله : ( تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال : إِنِّي أَخافُ [ الحشر : 16 ] الآية ) تبرأ منه نبه به على أنه لا قول حقيقة بل الإغراء والوسوسة فهي مقالة قوله : إغراؤه على الكفر يريد أن قول الشيطان للإنسان اكفر مجاز بمعنى الإغراء على الكفر بقوله : لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ [ الأنفال : 48 ] من الناس وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [ الأنفال : 48 ] الآية وليس المراد به أن يقول الشيطان للإنسان اكفر ويأمره بهذه الكلمة وفي الكشاف كمثل الشيطان إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة والمراد استغواؤه قريشا يوم بدر وقوله : لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [ الأنفال : 48 ] إلى قوله : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ [ الأنفال : 48 ] ثم كلامه قوله والمراد بالإنسان الجنس اعلم أن التعريف في قوله : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ [ الحشر : 16 ] للعهد لا غير إذ لا يتبادر منه إلا المتعارف شرعا وأما في الإنسان فيحتمل العهد أي قريشا قال الزمخشري ومعنى قوله أكفر فلما كفر قصد إغواءهم فدعاهم إلى قتال المشركين فغوا وإلا بهذا اللفظ بعينه وهو المراد من قوله المراد استغواؤه لأن الذي قال لهم يوم بدر هو قوله : لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [ الأنفال : 48 ] وتحمل الجنس على نحو قوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [ مريم : 66 ] في أن لم يباشر الفعل إلا بعض الجنس ويعضد الوجه الأول مجيء التمثيل الثاني من غير عاطف ليكون كالإبدال من التمثيل الأول ولا يحسن الإبدال إلا على اتحاد موقع التمثيلين فليتدبر .